على خطى جنوب أفريقيا: مقاطعة إسرائيل ثقافيّاً وأكاديميّاً واقتصاديّاً

0

وسطَ الركام الماديّ والمعنوي الذي خلّفه الاجتياحُ الإسرائيلي الوحشي للمدن الفلسطينية عام 2002، ومن أعماق الشعور بفشل القيادة الفلسطينية في تحقيق إنجازات ملموسة في خضمّ المسيرة الوطنية التحررية، ومع تقاعس المجتمع الدولي بقواه المهيمنة عن القيام بالحدّ الأدنى لإلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي وأبسط حقوق الإنسان، ظَهرت الإرهاصاتُ الأولى لحركةٍ فلسطينيةٍ، مدعومةٍ عالميّاً، تتبنّى المقاومةَ المدنية، وبالذات المقاطعة، سلاحًا إستراتيجيّاً للتصدّي للاضطهاد الصهيوني المركَّب لشعب فلسطين.

والحال أنّ هذه الحركة ليست بفينيقٍ أسطوريّ ينبعث من رمادٍ حقيقي، ولا عصًا سحرية، بل توجّهٌ واقعيّ وثوريّ لصيرورة مقاومة طويلة، بطيئة، تتطلّب جهودًا عظيمةً لتحقيق انتصارات ضدّ العنصرية والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلييْن. إنّ الحملة المتصاعدة بثبات لمقاطعة إسرائيل قد تشكّل محورَ انتفاضةٍ ثالثة، تتميّز من سابقتيْها بعالميتها، وبإجبار إسرائيل على المنازلة في ساحةِ قتالٍ (إنْ صحّ التعبير) تكون هي الأضعفَ فيها، سياسيّاً وأخلاقيّاً: فهي معركةٌ لا جدوى فيها لأسلحتها الفتّاكة وجبروتِها العسكري، ولا تستطيع أن تسيطرَ على قواعدها آلةُ إعلامِها الهائلة.

في 9/7/2005، أيْ في الذكرى السنوية الأولى لقرار محكمة العدل الدولية في لاهاي إدانةَ الجدار الاستعماري والاحتلال الإسرائيلي برمّته، وَقّع ما يزيد على 170 اتّحادًا ومنظّمةً فلسطينيةً في فلسطين التاريخية والشتات (على رأسها الهيئةُ التنسيقية للقوى الوطنية والإسلامية، التي تَشْمل أهمَّ القوى السياسية على الساحة الفلسطينية) نداءً تاريخيّاً يدعو إلى مقاومةٍ مدنيةٍ عالميةٍ ضدّ إسرائيل عن طريق مقاطعتها وسحبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها ـ وهو ما اصطُلح على اختصاره بالأحرف الإنجليزية BDS ـ حتى تنصاعَ انصياعًا كاملاً إلى القانون الدولي والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وتحديدًا، حتى تُنهي أشكالَ اضطهادها الثلاثي لشعب فلسطين، عبر:
ـ إنهاء احتلالها واستعمارها لكلّ الأراضي العربية، وتفكيك الجدار؛
ـ الاعتراف بالحقّ الأساسي في المساواة الكاملة لمواطنيها الفلسطينيين، وبحقوقهم الفردية والجماعية؛
ـ الاعتراف بحقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم بحسب قرار الأمم المتحدة رقم 194.
وكانت “الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل” (PACBI) قد أَطلقتْ نداءها إلى المقاطعة قبل لاهاي بأشهر قليلة في العام 2004 بشراكةٍ وثيقةٍ مع “اللجنة البريطانية من أجل الجامعات في فلسطين”(BRICUP) . وهذا ما بدأ سلسلةَ مبادراتٍ تُوّجتْ مؤخّرًا بتبنّي اتّحاد الجامعات والكلّيات (UCU)، وهو أكبرُ نقابة أساتذة جامعات في بريطانيا، قراراتٍ تَدْعم، ولو بشكلٍ غير مباشر، مسيرةَ المقاطعة الأكاديمية التدريجية لإسرائيل. كما انضمّت أكبرُ نقابتيْ عمّال في بريطانيا واتّحاد الصحفيين البريطانيين إلى المقاطعة، وكذلك اتّحادُ نقابات العمّال في جنوب أفريقيا (COSATU)، وعدةُ نقاباتٍ مهمّة في كندا، وأخرى في إيرلندة واسكتلندة، وغيرها. أما على الصعيد الثقافي، فقد انضمّ عشراتُ الكتّاب والفنّانين والمثقّفين المرموقين إلى المقاطعة الثقافية لإسرائيل، الأمرُ الذي أثار ضجّةً عالميةً لم تهدأْ بعد. وفي تحدٍّ مباشرٍ لاحتفالات إسرائيل بالذكرى الستّين لتأسيسها على أنقاض شعبنا، ناشدتِ الحملةُ وقطاعاتٌ واسعةٌ من المجتمع الفلسطيني المجتمعَ المدني الدولي مقاطعةَ هذه الاحتفالات. كما اتّبعتِ الحملةُ أسلوبَ الرسائل المفتوحة لدعوة الفنّانين والكتّاب المرموقين، كلاً على حِدة، إلى عدم المشاركة في الاحتفالات. وقد نجح هذا التكتيكُ في إقناع المغنّي الشهير بونو، ومغنيةِ الپوپ الأيسلندية بيورك، وفرقةِ الرولينغ ستونز، والمخرج الفرنسي الذائع الصيت جان ـ لوك غودار، والكاتبِ الأمريكي راسِل بانكس، وغيرِهم، بعدم التواطؤ مع جرائم إسرائيل بالمشاركة في مهرجانٍ لاأخلاقيّ يهدف إلى التغطية على احتلالها وأشكالِ اضطهادها الأخرى.
أمام هذه التطوّرات الهامّة، عَلَّقَ رفاقٌ لنا من جنوب أفريقيا قائلين: “إنكم تُبْلُون بلاءً أفضلَ منّا بكثير! فها هو العالمُ يبدأ بالاستجابة لنداء المقاطعة، الذي أطلقتموه، بعد بضع سنين فحسب. أما نحن فقد أَطْلقنا أولَ نداءاتنا لمقاطعة نظام جنوب أفريقيا في خمسينيات القرن الماضي، ولم يبدأ المجتمعُ المدني الدولي باتّخاذِ أيّة خطواتٍ فعّالةٍ في هذا المضمار إلاّ في الثمانينيات!”
تَعتبر الحركةُ المتناميةُ الداعيةُ إلى مقاطعة إسرائيل هذا الأسلوبَ النضالي مقاومةً مدنيةً لاعنفيةً بطبيعته، وتَرْفض وصفَه بالـ “بدعة” أو المقدِّمة لترسيخ عقلية الاستسلام للأمر الواقع ولقبول “تسويةٍ” تفتقر إلى أدنى حدود العدالة. إنّ المقاطعة هي دعوةٌ فلسطينية، مدعومةٌ عربيّاً ودوليّاً، أصيلةٌ وحداثيةٌ في آن، تَهْدف إلى تعزيز تحمّل المجتمع المدني العالمي، والغربي خصوصًا، لمسؤوليته الأخلاقية في مناهضة إسرائيل، وإلى إعادة الاعتبار للنضال الشعبي ضدّ أسس الاضطهاد الصهيوني للعرب عمومًا والفلسطينيين خصوصًا. فإسرائيل ليست فقط صنيعةَ “المجتمع الدولي” بقواه المهيمنة، بل إنّ هذا المجتمع يتحمّل تبعاتِ تواطُئه، المباشرِ أو غير المباشر، على مدى عقود في تغطية جرائم إسرائيل المتتالية وإدامتها، منذ تأسيسها على أنقاض المجتمع الفلسطيني عبر التطهير العرقي للعرب الفلسطينيين وحتى يومنا هذا. وفي سبيل ذلك تَستخدم المقاطعةُ أدواتٍ عصريةً، مميّزةً أخلاقيّاً وبرغماتيّاً، وقادرةً حقّاً على تفعيل الرأي العامّ العالمي لمواجهة إسرئيل في عقر دار جبروتها.
تتجسّد أصالةُ هذا المشروع المقاوِم في اتّصاله بجذور النضال الأهلي في فلسطين طوال قرن من التصدّي للاستعمار، وفي سعيه إلى تأطير قطاعاتٍ مجتمعيةٍ واسعةٍ من أجل أن تستعيد ملكيّتها الشرعية للمقاومة، بعد أن اخترق المرتزقةُ والانتهازيون والمشبوهون أطرَ الانتفاضة الأخيرة عامَ 2000، فهَمَّشوا المناضلين الصادقين والقوى والمؤسّسات الشعبية، وهَشّموا (إلى حدٍّ ما) المقاومةَ النظيفةَ، حتى بدا وكأنّ الكفاحَ المسلّحَ بنسخته الفلسطينية ـ البعيدةِ كلَّ البعدِ عن النسخة اللبنانية البالغةِ التقدّم والفاعليةِ بالمقارنة ـ غيرُ قادر (على الأقلّ في المدى المنظور) على التصدّي لمهمّات المرحلة الجديدة، مرحلةِ الهيمنة الأمريكية شبهِ التامة على السياسة الدولية والأمم المتحدة، والمترافقةِ مع تنامي تأثير الحركة الصهيونية في البيت الأبيض والكونغرس وفي بروكسل. كما أنّ واقعَ التقسيم والشرذمة والحصار المفروض على أقسام الشعب الفلسطيني، والانقطاعَ الفعلي عن العمق العربي، عَوّقا إمكانيةَ تحقيق الكفاح المسلّح في فلسطين أيَّ اختراقٍ يُذْكر في موازين القوى المائلة بشكلٍ أكثر حسمًا من أيّ وقت مضى لصالح العدوّ. يضاف إلى ذلك أنّ العمل المسلّح الفلسطيني يشوبه، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، ضياعُ البوصلة الأخلاقية ـ وهو ضياعٌ يبرّره البعضُ بلاأخلاقية إسرائيل، وكأنّ الأخيرةَ هي المعيارُ الأخلاقي لنضالنا!
أما حداثةُ هذا المشروع المقاوم فتكمن في جوانب عدة أهمُّها، على الصعيد الدولي، ربطُه النضالَ التحرري في فلسطين بقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية في العالم. أما على الصعيد الفلسطيني، فتَميّز هذا المشروعُ بتسليطه الضوءَ، ولأول مرة منذ عقود، على الأبعاد الثلاثة للاضطهاد الصهيوني للفلسطينيين، بعد أن اعتاد العالمُ منذ أوسلو أن يَنْظر إلى القضية الفلسطينية كقضية احتلال عسكري لأراضي 67 وحدها، متجاهلاً حرمانَ إسرائيل ملايينَ اللاجئين الفلسطينيين حقَّهم في العودة والتعويض، ومتناسيًا أنّ إسرائيل دولةٌ تتبنّى وتمارِسُ نظامَ التفرقة العنصرية، أي الأپارتهايد، ضدّ المواطنين الفلسطينيين داخل أراضي 1948. فإسرائيل تتعامل مع “غيراليهود” في هذه الأراضي وكأنهم مقيمون بشكلٍ مؤقّت، أو مواطنون من الدرجة الثانية لا يَمْلكون ولو حقَّ ادّعاءِ انتمائهم إلى تلك الدولة أو تمثيلها لهم؛ فهي، في النهاية، “دولةُ الشعب اليهودي،” لا دولةُ مواطنيها. لذا، فالعدالة النسبية المنشودة من قِبل حركة المقاطعة هي تلك التي تُنْهي أشكالَ الاضطهاد الثلاثة كحدٍّ أدنى.
إنّ هذه المقاربة، المبنيّةَ على الحقوق لا الحلول، أيْ على المبادئ الأخلاقية الكونية، وعلى إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني العادلة غير القابلة للتصرّف، بدلاً من تبنّي شكلٍ محدّدٍ للحلّ السياسي، مَكّنتِ القوى المؤيِّدةَ للمقاطعة في العالم من مفاجأة الحركة الصهيونية وإخلالِ توازنها ـ وهذا ما بدا واضحًا من ردود الفعل الهستيرية الإسرائيلية والصهيونية منذ أول إنجازٍ رمزيّ حقّقتْه المقاطعةُ الأكاديميةُ في بريطانيا وغيرها. فللمرة الأولى منذ عقود تنبري أركانُ الحركة الصهيونية، بما فيها اللوبي الصهيونيُّ في الولايات المتحدة، لتهاجم مبادراتٍ نقابيةً لمقاطعة إسرائيل وكأنّها “خطرٌ وجوديّ،” فتلجأ إلى أساليب البلطجة والتهديد السافر والإرهاب الفكري، الأمرُ الذي ساهم في كشف الوجه الحقيقيّ لتلك الحركة بشكلٍ غيرِ مسبوق أمام قطاعاتٍ واسعةٍ في الرأي العامّ الغربي خصوصًا.
تَستلهم حملةُ المقاطعة تجاربَ شعوبٍ نجحتْ في هزيمة أنظمة الاضطهاد العنصري والكولونيالي. فهي تسعى إلى استخدام آليّاتٍ نضاليةٍ حديثة أَثبتتْ نجاعتَها، بالذات في تجربة النضال الجنوب أفريقي ضدّ نظام الأپارتهايد، لا في تحشيد الرأي العامّ العالمي فحسب، بل أيضًا في تحفيز قوى المجتمع المدني العالمي على التعبير عن تضامنها ورفضِها للاضطهاد من خلال حملاتِ مقاطعةٍ فعّالةٍ أدّت إلى عزل النظام العنصري ورفعِ كلفةِ اضطهاده، حتى أجبرتْه في النهاية على الرضوخ للقانون الدولي، وصولاً إلى حلِّ نفسِه والانصياعِ إلى مطلب الديمقراطية للجميع، بعد إنهاء أسس الاضطهاد العنصري ـ مع مآخذنا الجدّية على استمرار الأپارتهايد الاقتصادي في جنوب أفريقيا حتى بعد مرور 14 سنة على إنهاء الأپارتهايد السياسي. وبالنَّفَسِ ذاتِه، ناشد نداءُ المقاطعة الفلسطيني ذوي الضمائر الحيّة من الإسرائيليين دعمَ المقاطعة ضدّ دولتهم بسب نظامها العنصري وسياستها الاستعمارية الموجَّهة إلى الأجزاء الثلاثة للشعب الفلسطيني.
لا بدّ من الاعتراف بأنّ خصوصية القضية الفلسطينية تزيد من درجة الصعوبة المتوقّعة في تبنّي المقاطعة ضدّ إسرائيل. فقد نَجحتْ عمليةُ أوسلو، إلى حدّ كبير، في سلب إرادة المجتمع الفلسطيني، وفي إقناع قطاعاتٍ واسعةٍ منه بأنّ قضيته وحلَّها خارجان عن نطاق سيطرته، بل مقدرتِه على التأثير، الأمرُ الذي يفضي بالضرورة إلى تفريغ مفهوم “حقّ تقرير المصير” من مضمونه بسبب قناعة المعنيّين بأنّ مصيرهم تقرّره الولاياتُ المتحدة وإسرائيلُ وحدهما. ضمن هذا المنظور، إذنْ، تصبح المقاومةُ، أيُّ مقاومة، مَضْيعةً للوقت والجهد، بل ضارّةً من وجهة نظر بعض “المفاوضين،” ويصبح المجتمعُ الدولي هامشيّاً لا حاجةَ بنا إلى النضال من داخله أو محاولة كسبه. وقد أدّى استدخالُ (أو تذويتُ) هذه القناعات الانهزامية إلى إطفاءِ روحِ المقاومة، لا عند القيادة الفلسطينية الرسمية فحسب، بل لدى العديد من النُّخب السياسية والفكرية في فلسطين المحتلة والشتات كذلك.
وكما تبنّى جزءٌ رئيسٌ في القيادة الفلسطينية خُرافاتِ “اليسار” الصهيوني حول أسس الصراع وسُبُلِ حلّه، فقد أصبح عددٌ هامٌّ من المثقفين وقيادات المجتمع المدني، وبالذات المرتبطة مصالحُهم حيويّاً بوجود السلطة الفلسطينية في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، يردّد مقولاتِ هذا “اليسار” وكأنها شعاراتٌ وطنيةٌ ثورية! منها، على سبيل المثال: “الحوار هو السبيلُ الوحيدُ لردم الفجوة النفسية، التي هي أساسُ الصراع”؛ و”ضرورةُ إقناع الجانب الإسرائيلي بأننا بشرٌ وبأننا قادرون أن نكون متحضّرين”؛ و”المتطرّفون من كلا الجانبيْن هم العائقُ أمام مسيرة السلام.” والأهمّ من كلّ هذه الأقوال قبولُ الفصل التعسّفي بين العدالة والسلام.
باختصار، نجحتْ عمليةُ أوسلو في تحويل قطاعاتٍ مؤثّرةٍ من الشعب الفلسطيني، وإنْ كانت قليلةً عددًا، من المشاركة في مقاومة الاحتلال والتفرقة العنصرية والتطهير العرقي التدريجي، إلى أن تصبح طرفًا محايدًا تقريبًا، يحاول من دون كلل أن يتعايشَ مع الاضطهاد المركّب هذا. ومن مظاهر هذا التحييد انتعاشُ “صناعة السلام” في زمنِ انهيارِ أغلب الصناعات الأخرى، أو كسادِها، تحت الاحتلال وبفعله. فالمشاريع المشتركة بين المؤسّسات الفلسطينية، الحكوميةِ أو الأهلية، ونظيراتِها الإسرائيلية، انتشرتْ كغبار عاصفةٍ صحراويةٍ في مجالات التنمية والصحّة والمرأة وحقوق العمّال والديمقراطية والشباب والمياه والفنّ وغيرها، وكأنّ “التنميةَ المستدامةَ” ممكنةٌ في ظلّ الاحتلال! وغالبيةُ هذه المشاريع لا تتطرّق إلى الاحتلال أبدًا، أو تقلّل من شأنه، وكأنه عاملٌ من العوامل الواجب “معالجتُها” فحسب. وفي جميع الحالات يحتجّ أصحابُ هذه المشاريع المشتركة ـ التطبيعية بامتياز ـ بضرورة الاستفادة من خبرات “الطرف الآخر” لكي نرتقي بمجتمعنا في موازاة عملية التحرر، ولكنْ من دون بذل أدنى جهد في شرح كيف يساهمون على الإطلاق في عملية التحرر هذه. لذا وَضَعت “الحملةُ الفلسطينيةُ” معاييرَ منطقيةً واضحةً صارمةً لتطبيق المقاطعة، تَشْترط الاعترافَ بالحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني والنضالِ من خلال أيّ مشروعٍ مشتركٍ لمناهضة الاضطهاد الإسرائيلي بأبعاده المتعدّدة.
أما على الصعيد العالمي، فقد تجلّت “عبقريةُ” أوسلو في استغلال الحركة الصهيونية لتردّي قيم المقاومة وإرادةِ التحرُّر لدى الفلسطينيين والعرب عمومًا ـ مع استثناء المقاومة اللبنانية الرائدة وجمهورها ـ من أجل تدجين بعض نُخبنا الثقافية والأكاديمية والرأسمالية في مشاريعَ تكرِّسُ ضمنًا إدامةَ الاضطهاد وتعزِّز لدى الرأي العامّ العالمي صورةً ورديّةً مضلّلةً عن إسرائيل: بوصفها دولةً تسعى إلى تحقيق السلام من ناحية، ودولةً عصريةً متقدمةً وقادرةً على إفادة العالم من غنى معرفتها من ناحية أخرى. وعمليّاً، أدّى هذا النجاحُ إلى اختراقٍ إسرائيليّ لا مثيل له في العالم العربي وأفريقيا وآسيا والعالم الإسلامي، من دون أن تضطرّ إسرائيلُ إلى تقديم ثمن ذلك أرضًا أو حقوقًا. كما وَظَّفَ أصدقاءُ إسرئيل والحركةِ الصهيونية العالمية هذا القبولَ الفلسطينيَّ والعربيَّ والإسلاميَّ والجنوبيَّ لإسرائيل على ما هي عليه لإجهاضِ عمليةِ تشكُّلِ حركةِ تضامنٍ ليبرالية ـ ديمقراطية فاعلة في الغرب. فعاد البساطُ الأحمرُ للترحيب بالإسرائيليين ـ من غير المعادين للاحتلال ـ من قِبل المؤسّسات الاقتصادية والأكاديمية والفنية والرياضية الغربية، بعد فتور دام طوال سنوات الانتفاضة الأولى. وهكذا فإنّ مؤسّساتنا الرسميةَ والأهليةَ ساهمتْ، عن وعي أو غير وعي، في تحويل صورة إسرائيل في العالم من دولةٍ استعماريةٍ وعنصريةٍ في الجوهر والمضمون والممارسة إلى دولةٍ طبيعيةٍ عصريةٍ لديها “بعضُ المشاكل” فحسب مع جيرانها “المزعجين..”
إنّ مقاطعة إسرائيل مقاومةٌ ضروريةٌ حقّاً، صعبةٌ حقّاً، وهي حُبْلى بالآمال في قلب موازين القوى ضدّ آخر معقلٍ للاستعمار والأپارتهايد في العالم.
إنها مقدّمةٌ لانتفاضةٍ ثالثةٍ، حقّاً.

ع.ب.
فلسطين

المشاركون
(ألفبائيّاً)
أدري نيوهوف
بَتي هنتر
دايفيد ويلدمان
ديريك سمرفيلد
هيلاري روز

نشر في مجلة الآداب بتاريخ 12-2008

ملفّ خاص بـ الآداب من إعداد وتقديم: عمر البرغوثي

نقل المقالات إلى العربية (باستثناء مقال البرغوثي وتقديمه): سماح إدريس
آخر الأخبار