ما يلي هو عرض غير شامل لمبادرات المقاطعة في العقد الأخير في بيروت ومحاولة لطرح أسس محدّثة لعمل المقاطعة في لبنان.
بين 2002 و2010
في ربيع العام 2002، نشرت مجلة الآداب1، عدداً من المقالات عن المقاطعة2. وفي أواخر عام 2002 أصدرت “حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان” العدد صفر من نشرة: ” قاطعوا”، والعدد الأول في العام 2003، وتلاهما أربعة أعداد وعدد من المنشورات3 عن الشركات الداعمة لإسرائيل.
طرحت نشرة “قاطعوا” مواضيع ومعضلات لا تزال أساسية ومهمة اليوم، منها “الوكيل المحلي: وطنيّ إلى أي مدى؟”4 وأفكار “من أجل تنشيط المقاطعة الشعبية العربية”5 و”من مقاطعة الثقافة الصهيونية إلى ثقافة المقاطعة العربية”.6
كما قامت “حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان”، بين العامين 2002 و2005، بعدد كبير ومتنوّع من التحرّكات: إعتصامات أمام ” ستاربكس” في شارع الحمرا في بيروت وفي بحمدون للمطالبة بإقفاله على خلفية دعم الشركة الأم لإسرائيل، وعشرات الإعتصامات أمام ” ماكدونالدز” في عين المريسة في بيروت، وأمام ” البرغر كينغ” في الروشة، إحتجاجا على إقامة معرض ” صنع في أميركا”،7 وعلى استضافته لشركات داعمة لإسرائيل. كما وشملت التحركات عددا كبيرا من المحاضرات في الجامعات والأندية عن المقاطعة، وعددا من الإطلالات الإعلامية منها لـ “كيرستن شايد” لساعة كاملة على برنامج “بلا حدود” مع أحمد منصور على قناة “الجزيرة”، إضافة إلى تغطية التلفزيونات والجرائد في لبنان.
في العام 2005، عندما صدر نداء المجتمع المدني الفلسطيني لمقاطعة إسرائيل،8 كان لبنان يتخبط في تداعيات اغتيال رئيس مجلس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري. تلاه العام 2006 حرب تموز ومن ثم أزمة سياسية حادة، ومن ثمّ في العام 2007 حرب مخيّم نهر البارد، ومن ثمّ سلسلة أحداث أمنية شهدت خاتمتها في أيار 2008 في الدوحة. كل ذلك وغيره ةتحديدا انعدام الاستقرار وحالة الطوارئ الدائمة في لبنان، غيّب أجندة المقاطعة إلى حين.
وصدر في العام 2008 في مجلة الآداب ملفان عن المقاطعة،9 إذ اعتبر سماح إدريس، رئيس تحرير المجلة وعضو في “حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان”، أنهما ينساقان في سياق نشرة “قاطعوا”، ويهدفان لعرض التقدم الحاصل في حركة المقاطعة عالميا للعالم العربي، ولإقناع الجمهور العربي أن المقاطعة فعّالة كعمل مقاوم.
وفي العام 2009، تصدرت قضية الفنان الكوميدي المغربي جاد المالح العناوين إثر حملة إعلامية انطلقت من مجموعات شبابية وتبناها الإعلام الوطني في لبنان، إذ ألغى المالح ثلاث حفلات كان يعتزم إقامتها في مهرجانات بيت الدين الدولية وسط لغط وسجال ثقافي وسياسي في لبنان. وكانت “التهمة” التي وجهت إلى المالح دعمه العلني لإسرائيل ولجيشها، ومشاركته في نشاطات مطالبة بإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير، جلعاد شليط.10
وفي 30 آذار 2009، نشرت جريدة الأخبار بياناً صادراً عن أكاديميّين في لبنان وقّعه قرابة المائة أكاديمي لبناني يطالبون فيه زملاءهم ” في العالم أجمع أن يدعموا النداء الذي أطلقته الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، لمقاطعة كل المؤسسات الأكاديمية والثقافية والانسحاب منها انسحاباً شاملاً وثابتاً، وللإحجام عن المشاركة في أي شكل من أشكال التعاون الأكاديمي والثقافي أو المساهمة في مشاريع مع مؤسسات إسرائيلية أو الانضمام إليها.”11
كما برز في العام نفسه عدد من التجمعات الشبابية،12 التي تبنت نهج المقاطعة وأعادت الإعتصامات أمام “ستاربكس” في شارع الحمرا.13 ومن هذه المجموعات مجموعة “شباب ضد التطبيع”،14 التي انطلقت على خلفية قضية جاد المالح. وأيضا مجموعة انطلقت من الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) وشكلت جمعية “جمع اليد”،15 التي نظمت أول مهرجان: “أسبوع الفصل العنصري” في بيروت في آذار 2010،16بالتزامن مع انعقاده عالميا في عشرات الجامعات. وقد استضاف هذا المهرجان عددا هاما من المتحدثين منهم:17 نهلة الشهال التي شاركت خبرتها في حملات المقاطعة في فرنسا،18 وناتاشا فالي ونول اغناتياف اللذان تكلما عن الردود التاريخية والمعاصرة للفصل العنصري الجنوب أفريقي والإسرائيلي.19 وتخلل المهرجان ورشة عمل للطلاب حول إستراتيجية المقاومة والمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.20
أيضا في آذار 2010، برزت قضية الأستاذ الجامعي ساري حنفي الذي تعاون لإنجاز كتاب: ” سلطة الإقصاء الشامل: تشريح الحكم الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة” مع مؤلّفين من أساتذة جامعة تل أبيب، بتمويل من مؤسسة Van Leer الإسرائيلية. وعقدت ندوة تحت عنوان: ” تطبيق قواعد حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية (PACBI) في الجامعة الأميركية في بيروت” وسط انقسام في الآراء في الجسم التعليمي في الجامعة الأميركية وفي الإعلام في لبنان.21
في أيار 2010، تحرك شباب وشابات في جامعة بيروت الأمريكية ضد بعض الشركات – فيوليا ولوريال ونستله وغيرها – المتواجدة في معرض فرص العمل الذي نُظم في حرم الجامعة.22 تخلل هذا التحرك إنتاج وتوزيع ملصقات ومنشورات توعية حول دور هذه الشركات في الاحتلال الإسرائيلي.23
وبلغت تحركات المقاطعة ذروتها في بيروت مع موسم المهرجانات الفنية الدولية لربيع وصيف 2010. فغالبا ما تكون إسرائيل المحطة السابقة للبنان أو التالية له لعديد من المغنيين والمغنيات والفرق الموسيقية والفنية. رفضا للتطبيع الثقافي، قامت مجموعة من الأفراد والتجمعات بالتحرك،24 أولا ضد فرقة ” بلاسيبو”،25 بعد العرض الذي ﻗﺪﻣﺘﻪ ﻓﻲ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ في ﺧﻀﻢ تداعيات ﺍﻟﻬﺠﻮﻡ ﻋﻠﻰ “ﺃﺳﻄﻮﻝ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ”، وقد تضمن هذا التحرّك اعتصاما رمزيا أمام الحفلة. ومن ثمّ صار تحرّك ضد ” DJ تييستو”،26 القادم من إسرائيل والمغنية ديانا كرال الذاهبة إلى إسرائيل.27 لم تسجل هذه التحركات أي “انتصار” – أي إقناع الفنان أو الفرقة من العزوف عن اللعب في إسرائيل – إلا أنها نجحت لأوّل مرّة في طرح معضلات قانونية وأخلاقية واقتصادية واستقطبت التغطية الإعلامية (سواء كانت إيجابية أم سلبية). يضاف إلى هذه التحركات عدد من مقالات الرأي والمناشدات والتقارير في الصحافة اللبنانية.28
بعض تحديات المقاطعة في لبنان
تتيح مساحة الحرية في لبنان العمل على المقاطعة والمناصرة أكثر من باقي الدول العربية. ووجود مجتمع مدني لبناني ومجتمع مدني فلسطيني في لبنان عامل إيجابي – نظريا – في العمل على المقاطعة.29 إلا انه لا يسعنا إلا أن نلاحظ أن القوى السياسية اللبنانية، في جميع أطيافها، كما الجمعيات والقوى الفلسطينية في لبنان غير مدركة لتطوّرات ودور حركة المقاطعة العالمية، وغير واعية لأهمية ربط هذا الشكل من النضال مع أشكال النضال الأخرى ضد الاحتلال.
واللافت أن صدور وثيقة “وقفة حق” عن مسيحيي فلسطين استقطب أقلام وأراء كثيرة في الجرائد اللبنانية لأهمية طروحاتها.30 إلا أن أحدا لم يقف عند الفقرة 4(2-6) من الوثيقة التي أعلنت أن المقاطعة الاقتصادية والتجارية لكل ما ينتجه الاحتلال وسحب الاستثمارات منه تندرج في نطاق المقاومة السلمية. وهي ضرورية لوضع حد للظلم و”خطيئة الإحتلال”.
كما أن الجمهور اللبناني جمهور منقسم طائفيا وسياسيا. وقد اختبرنا صعوبة استقطابه في مبادرات مناهضة للتطبيع الثقافي والفني عندما اصطدمنا إعلاميا وعلى الإنترنت مع لبنانيين “مناهضين للتخلّف والرجعية” الذين يضعون “صورة لبنان الحضارية” في أعين المجتمع الغربي في مستوى أعلى من النضال للمساهمة في مقاطعة إسرائيل ومن التضامن مع نداء الفلسطينيين.
بما أن التطبيع مع إسرائيل ممنوع قانوناً في لبنان، فمن الطبيعي أن تركّز الدعوة إلى المقاطعة هناك على الشركات الأميركية والأوروبية التي تستثمر بكثافة في الكيان الصهيوني.31 إلا أن ذلك يفتح الباب لمقاطعة مئات الماركات الأساسية من “برغر كينغ” إلى ” نسكافيه” إلى ” H&M”. وهنا يسقط التضامن اللبناني ويفقد مناضلو المقاطعة حبل التواصل مع أطياف المجتمع اللبناني الذي، وإن كان معاديا لإسرائيل، يسرع في تبني أحدث المنتجات الأجنبية، وهو غير مستعد لتغيير نمط استهلاكه.
تحديث أسس المقاطعة في لبنان
بين لبنان وإسرائيل تاريخ حافل من النزاعات والجرائم الإسرائيلية والمجازر، منذ اعتداءات العام 1948 إلى حرب تموز 2006، مرورا بمجزرة صبرا وشتيلا عام 1982 وبتعذيب أسرى لبنانيين منهم الأسير المحرر مصطفى الديراني.32 ولأوّل مرّة، طُرحت ” الحقوق اللبنانية” في رسائل المقاطعة الموجهة إلى الفنانين والفرق الفنية الأجنبية في العام 2010 وعُرضت محطات من جرائم إسرائيل بحق اللبنانيين والفلسطينيين في لبنان. وبالتالي، تمت صياغة المقاطعة كمطلب لبناني وليس فقط تضامنا مع الشعب الفلسطيني واستجابة لندائه.
في هذا السياق، إضافة إلى التضامن مع الفلسطينيين ومطالبهم المحقة – إنهاء احتلال أراضي 1967، المساواة لفلسطينيي 1948 وعودة اللاجئين إلى ديارهم –، يجب أن نعتمد لبنانيون وفلسطينيون مقيمون في لبنان، على مقاربة حقوقية للصراع وطرح صيغة مطلبية حقوقية تكون الأساس لعمل المقاطعة المنطلق من لبنان. وما يلي هو تصوّر ممكن لهذه الصيغة:
1. الحق بالمعرفة، أي أن يفتح الإسرائيلي أرشيف احتلاله وحروبه وجرائمه في لبنان، بما فيه تقييم ما بعد الهجمة للجيش الإسرائيلي في الهجمات التي أسقطت ضحايا مدنيين (ما يعرف بالـ Battle damage .(assessment33
2. الحق بالعدالة، الذي يتضمن محاكمة مرتكبي جرائم حرب وخروقات القانون الدولي الإنساني.
3. الحق بالإنصاف أي استرداد الحق ورفع الظلم (right to remedy)، بما في ذلك استرداد الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي.
4. حق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بالعودة الى ديارهم الأصلية وفق مبادئ القانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة.
إضافة إلى المقاربة الحقوقية، يجب أن تبنى مبادرات المقاطعة في لبنان على أسس التضامن مع الفلسطينيين في العالم أجمع، والتضامن مع السوريين الذين لا يزال جزء من أراضيهم تحت الإحتلال.
الحاجة إلى مبادرة جامعة
بعد عقدٍ من المبادرات، لا يسعنا إلا أن نلاحظ أننا في لبنان لم نرتق إلى مأسسة عمل المقاطعة في إطار فعّال ومستدام. ونستشعر اليوم، كما من قبل، حاجة ماسة أن نتعلّم من الخبرات المتراكمة للجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، وأن نتجه نحو تأسيس هيئة جامعة في لبنان تقوم بإطلاق مبادرات أوسع نطاقا، وأكثر وقعا للمقاطعة ومناهضة التطبيع، في لبنان والعالم العربي، على أساس المقاربة الحقوقية للصراع مع إسرائيل. وأن تُسهِم هذه الهيئة بتوحيد جهود مختلف المجموعات والجمعيات اللبنانية والفلسطينية في لبنان العاملة على المقاطعة، وباستقطاب جمعيات ومؤسسات مدنية جديدة.
هذه المقالة دعوة مفتوحة للقيّمين على العمل الوطني والحقوقي في لبنان إلى أن يبادروا إلى إقامة هيئة مماثلة، كي نسعى بحثاثة أكبر إلى حلّ لصراعنا مع الإسرائيليين مبني على مبادئ القانون الدولي وعلى إحقاق الحق والعدالة.
_____________________________
*وسام الصليبي: باحث وناشط في حقوق الإنسان ومنسق حملة المقاطعة في مركز حقوق اللاجئين/عائدون.
——————————————-
جريدة حق العودة- العدد 40- حزيران 2010
وسام الصليبي*