المقاطعة والمقاومة المسلّحة

0

قبل نحو خمسة عقود، قَدَّم الأديب الشهيد غسّان كنفاني موقفًا واضحًا من مقاطعة الكيان الصهيونيّ، أوضح فيه رؤيةَ المقاومة الفلسطينيّة، وتحديدًا الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، بالقول: “إنّ مقاطعة العدوّ، ورفضَ حوار الإقناع معه من خلال مُبارزاتٍ كلاميّة، في حدّ ذاته، موقفٌ، وجهةُ نظر، شكلٌ من أشكال الصدام.”[1]

ونشرتْ مجلّة شؤون فلسطينيّة،[2] بعد اغتيال كنفاني على يد الموساد الصهيونيّ في 8/7/1972، مقالًا يقول فيه: “إنّنا في حالة حربٍ مع العدوّ. ومقاطعتُنا له نابعةٌ من طبيعة المواجهة. فالمقاطعة، في حدّ ذاتها، وجهةُ نظر وموقف.”

كلماتُ كنفاني كانت تعليقًا على مُناظرةٍ جَرَتْ بين مجموعةٍ من الطلبة الفلسطينيّين والإسرائيليّين في جزيرة قبرص برعاية هيئة الإذاعة البريطانيّة (بي. بي. سي). وحينها قال أيضًا:

“إنّ الجلوسَ مع العدوّ، حتى في أستوديو تلفزيونيّ، هو خطأ أساسيّ في المعركة. وكذلك، فإنّه من الخطأ اعتبار هذه المسألة شَكليّةً. إنّنا في حالة حرب وهي – بالنسبة إلى الفلسطينيين على الأقلّ – مسألةُ حياةٍ أو موت. ولا بدّ من التزام جمهرة الشعب الفلسطينيّ بالشروط التي تستوجبها حالةُ حربٍ من هذا الطراز.”

ودعا كنفاني إلى مقاطعة الكيان، وإلى رفض الحوار مع ممثّليه. كما رفض “المفاوضات،” واعتبرها مشروعًا للتصفية السياسيّة، وذبحًا للحقوق الفلسطينيّة. ووصفها، في مقابلةٍ شهيرةٍ مع الصحفيّ الأستراليّ ريتشارد كارلتون، بأنّها تشبه “الحوارَ بين السيف والرقبة.”[3]

وكان كنفاني يرى أيضًا أنّ تغييرَ موازين القوى لا يأتي بالمناظرات والحوارات الكلاميّة مع الصهاينة، بل “إنّ الشيء الوحيد الفعّال هو حجمُ العمل المسلّح والعمل السياسيّ في أرض المعركة ذاتها.”[4]

البديهيّتان والنقيض الجذريّ

من البديهيّ القولُ إنّ الاحتلالَ الصهيونيّ لفلسطين، وهو مشروعٌ استعماريّ استيطانيّ تَجَسّدَ بالإعلان عن قيام “إسرائيل” في العام 1948، لن ينتهي إلّا إذا تحّوَل إلى مشروعٍ خاسرٍ على كلّ الصُعُد، بحيث يعجز عن الحياة مهما حاول حلفاؤه ضخَّ الأكيسجين في عروقه من خلال تقديم الدعم الاقتصاديّ والعسكريّ والغطاء السياسيّ والمُبرِِّرات الإيديولوجيّة وتوظيفِ الأساطير والخزعبلات.

ومن البديهيّ أيضًا أنّ الكيان الصهيونيّ، على الرغم ممّا يتمتّع به من قوّةٍ عسكريّةٍ هائلة ومن قدرة في مجالات التقنيّة والصناعة، لا يزال يرتكز في بقائه وتفوّقه إلى الدعم الخارجيّ وإلى الحركة الصهيونيّة ومؤسّساتها.

وبالاستناد إلى هاتين البديهيّتيْن، تُشكّل حركةُ المقاطعة الفلسطينيّة-العربيّة-الدوليّة مهمّةً نضاليّةً من طرازٍ خاصّ، هدفُها عزلُ مُؤسّسات الكيان، وجعلُ الاحتلال مشروعًا مُكلفًا وبلا مستقبل. وهذا بالضبط هو دورُ المقاومة المُسلّحة أيضًا.

دورُ المقاطعة ودورُ المقاومة هو النقيض الجذريّ لعمل مُؤسّسات الحركة الصهيونيّة التي تمدّ الكيانَ بأسباب الحياة والقوة. وهذا الدور لا يقتصرعلى ردع قوّات الاحتلال، بل يتجاوز ذلك إلى استنزاف قدراته وضرب قواعده الاقتصاديّة وإرباكِ حركته وتعطيلِ مشاريعه وجعله مكانًا غيرَ آمنٍ للاستثمار والعيش. وهذا ينبغي أن يكون هدفَ كُلّ حركة التحرّر الفلسطينيّة والعربيّة وحركة التضامن مع الشعب الفلسطينيّ، باعتبارها حركةً متكاملةً وإنِ اختلفتْ ساحاتُ عملها أو بدت مُتباعدةً. ومن الطبيعيّ أن تَستخدم هذه الحركةُ المتكاملةُ أدواتٍ مختلفةً في الوصول إلى الهدف ذاته، أو إلى أهدافٍ متقاربةٍ أو متقاطعةٍ هنا أو هناك.

ومثلما لا يمكن أن تكون حركةُ المقاطعة بديلًا من مشروع التحرير، وإنّما أحدَ روافده وأدواته الأساسيّة، فإنّ المقاومة المسلّحة لا يمكن أن تكون الأسلوبَ الوحيدَ للنضال، وإنْ كانت الشكلَ الرئيسَ الأكثرَ استنزافًا للكيان الصهيونيّ والأقدرَ على ردعه.

الخطاب الصهيونيّ والمقاطعة

الخطاب الصهيونيّ الموجَّه إلى العالم لا يتعب من تكرار محاولة تشويه العلاقة بين المقاومة الفلسطينيّة المسلّحة من جهة، وحركةِ التضامن الأمميّة مع شعب فلسطين من جهةٍ أخرى. ولذلك يعمد إلى ترويج كذبةٍ مفادُها أنّ بعضَ الفصائل الفلسطينيّة، كالجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، هي التي تدير حركةَ المقاطعة في الخفاء، وهي التي ترسم برنامجَ حركة التضامن مع الشعب الفلسطينيّ.

ليت كان ذلك صحيحًا، أقولُ في نفسي أحيانًا!

غير أنّ الواقع هو أنّ “إسرائيل” تسعى، من خلال هذه الكذبة الفاقعة، إلى الضغط على الطرفين، المقاومة والمقاطعة، من أجل عزلِ إحداهما عن الأخرى، ثم ضربهما معًا في وقتٍ واحد.

يتّكئ القادةُ الصهاينة وحلفاؤهم على استخدام القوانين والتشريعات التي تصدر عن حلفاء “إسرائيل” (في واشنطن وبرلين ولندن وباريس وغيرها) من أجل استهداف حركة المقاومة الفلسطينيّة وتجريمها. وفي الوقت ذاته يعملون جميعُهم على استهداف حركة المقاطعة عبر اتهامها بـ”معاداة الساميّة،” واعتبارِِ كُلّ نقدٍ للسياسة الصهيونيّة موجَّهًا إلى “يهود” العالم أجمعين.

والحقيقة أنّ تجريمَ المقاومة الفلسطينيّة المسلّحة وعملِ أنصارها في فلسطين والمنافي عبر “لائحة المنظّمات الإرهابيّة،” وتجريمَ حركة المقاطعة عبر اتّهامَها بـ “معاداة الساميّة،” يصبّان في خدمة الهدف الصهيونيّ-الأمريكيّ المتمثّل في: ضرب شرعيّة المقاومة، وتقديمِها فزّاعةً جاهزةً لردع القوى اليساريّة والليبرالية المتضامنة مع الشعب الفلسطينيّ.

هنا علينا أن نعترف بوجود قوًى “محسوبةٍ” على حركة التضامن مع الشعب الفلسطينيّ ولكنّها في الواقع تسيء إلى النضال الفلسطينيّ، حين تدين الكفاحَ المسلّح، أو حين تُصرّ على”وهم/حلّ الدولتين” متّكئةً على موقفٍ فلسطينيٍّ رسميّ لا يعبِّر عن تطلعات غالبيّةِ شعبنا في الوطن والمنافي.

المهامّ المشتركة في وجه وزارة الشؤون الاستراتيجيّة

ربما تكون وزارةُ الشؤون الاستراتيجيّة الإسرائيليّة، التي أدراها الوزيرُ الصهيونيّ العنصريّ اليمينيّ جلعاد اردان (من حزب ليكود) خلال السنوات الخمس الأخيرة، نموذجًا على استهداف العدوّ للمقاطعة والمقاومة معًا. إذ بالاضافة الى دوره في محاربة حركة التضامن مع الشعب الفلسطينيّ في العالم، عُرف عنه إنشاءُ “خارطة الكراهية.”[5] كما حمل حقيبةَ وزارة الأمن الداخليّ، وهو مسؤولٌ عن قتل عشرات الفلسطينيين الشباب في فلسطين، ولا سيّما في القدس والداخل المحتلّ عام 48.[6]

وأردان هو الذي هندس قانونَ عدم تسليم جثامين الشهداء الفلسطينيين إلى عائلاتهم. والمعروف أنّ العدوّ يحتجز جثامينَ عشرات الشهداء، وذلك في عمليّة عقابٍ جماعيّ، وخارج كلّ الأعراف والقوانين الدوليّة.[7]

كما أنّ أردان قمع الأسرى والأسيرات في السجون الصهيونيّة. وهذا يعني أنّه سعى إلى استهداف النواة الصلبة للمقاومة الفلسطينيّة. فهناك، في السجون، يقبع قادةُ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة والمقاومة المسلّحة، وقادةُ الحركة الطلّابيّة والنقابيّة والنسويّة.

وسوف يتسلّم أردان مهمّتَه الجديدة ممثِّلًا للكيان الصهيونيّ في الأمم المتحدة، وسفيرها في واشنطن، بعد الانتخابات الأمريكيّة القادمة في نوفمبر 2020.[8]وكالعادة، سيكون دورُه الرئيس تبريرَ الجرائم المرتكبة ضدّ الشعب الفلسطينيّ.

من هنا يجب أن تصبح قضيّةُ تحرير الأسرى الفلسطينيين، مثلًا، أولويّةً وطنيّةً وقوميّةً ودوليّةً في آن واحد. وتحريرُهم هذا لا يتأتّى إلّا بمهامَّ مشتركةٍ متضافرة: بالمقاومة المسلّحة، وبالضغط الشعبيّ الفلسطينيّ والدوليّ، وبفضح الشركات الأمنيّة التي تدعم منظومةَ القمع والسجون الصهيونيّة (مثل شركة جي 4 أس).[9]

نكرّر: هذه مهامُّ مشتركة يجب التعاملُ معها على هذا الأساس، ومن دون إعارةِ ما يفبركه قادةُ الحركة الصهيونيّة من أكاذيبَ يوميّةٍ عن العلاقة بين المقاومة المسلّحة وحركة المقاطعة أدنى اعتبار.

كما يجب عدمُ السماح للخطاب الصهيونيّ بلعب دور”الأزعر” واستخدام المقاومة المسلّحة (ما يسمّيه”الإرهاب”) فزّاعةً في وجه حركات التضامن مع الحقوق الفلسطينيّة والعربيّة.

لبنان نموذجًا

تُشكل “حملةُ مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان”[10] نموذجًا مهمًّا على الفهم الثوريّ والعلميّ للترابط الوثيقٍ بين دور المقاومة المسلّحة، ودورِِ الحملات الشعبيّة والمدنيّة في مقاطعة داعمي الكيان الصهيونيّ ومناهضةِ التطبيع معه. وهي في ذلك أقربُ إلى رؤية غسّان كنفاني التي أشرنا اليها سابقًا.

يقول د. سماح إدريس، العضو المؤسِّس في الحملة المذكورة، ضمن محاضرةٍ في مدينة صور سنة 2018:

“المقاطعة المدنيّة جزءٌ من مفهوم المقاومة الشاملة التي تتضمّن العملَ المسلّح، وليست جزءًا منفصلًا عنه، ولا هي في تناقضٍ معه على الإطلاق. وما يحدِّد نقاطَ الافتراق، أو التقاطعِ، أو التماهي، بين المقاطعةِ المدنيّة والمقاومةِ المسلّحة، إنّما هو الظرفُ والمكان: فحيثما تنعدم إمكانيّةُ مقاومة العدوّ الصهيونيّ بالسلاح، بسبب غياب ساحات المواجهة الجغرافيّة المباشرة مثلًا، فإنّ الملاذَ يكون في سلاح المقاطعة، وهو سلاحٌ لا يقلّ خطورةً وأثرًا؛ وحيث تَسْنح الظروفُ بالمقاومة المسلّحة، فستكون المقاطعةُ عاملًا مساعدًا، وربّما من تحصيل الحاصل.”[11]

وفي المحاضرة عينها، يحدّد إدريس مهامَّ الطلّاب الجامعيين في المقاطعة، لكنّه يشدِّد كذلك على وجوب “حمل السلاح والتدرّبِ عليه؛ فلا غنى عن السلاح في ردّ العدوان، أو ردعِه عن مغامرته… خصوصًا مع إلغاء خدمةِ العَلَم.” وهذا، كما أسلفنا، تعبيرٌ جليٌّ عن فهمٍ علميّ وثوريّ لدور المقاطعة والمقاومة وترابطِهما وتمفصلِهما في عمليّة التحرير.[12]

خلاصة

إنّ اكتمال دور حركة المقاطعة يكون في دورةٍ كاملة: المقاطعة الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة والأكاديميّة، وفي الوقت ذاته دعم الاقتصاد الوطنيّ الفلسطينيّ والمؤسّسات الوطنيّة والثقافيّة والأكاديميّة وغيرها.

إنّ رفضَ الجرائم الصهيونيّة وسياسةِ الاغتيالات ومحاولاتِ تجريم المقاومة هو نصفُ الموقف فقط. ويجب أن نُكمل الموقفَ بدعم المقاومة الفلسطينيّة المسلّحة والحركة الأسيرة الفلسطينيّة في سجون العدوّ.

ومن الطبيعيّ أن تعمل حركةُ التحرر الفلسطينيّة على تجميع عناصر القوة، ومراكمتِها ومضاعفتها، حتى تكون أدواتٍ فاعلةً ومؤثِّرةً في مسيرة الشعب الفلسطينيّ نحو إنجاز كامل حقوقه الوطنيّة والإنسانيّة.

ومن هنا أيضًا تصبح الحملاتُ السياسيّةُ والإعلاميّة المناصرة للشعب الفلسطينيّ، والمدافعة عن شرعيّة المقاومة المسلّحة، والعاملة على شطب “لوائح الإرهاب،” حملاتٍ مشتركةً وضروريّةً؛ تمامًا مثل العمل المشترك على “تطبيع” العلاقات مع قوى المقاومة المسلّحة باعتبارها رأسَ الحربة في مشروع الشعب الفلسطينيّ التحرّريّ.

إنّ المقاومة الشعبيّة والمسلّحة، وحركةَ المقاطعة العربيّة والدوليّة، ونشاطاتِ القوى الشعبيّة الحليفة للشعب الفلسطينيّ في العالم، تشكّل معًا العناصرَ الأساسيّةَ التي تشبه جداولَ الماء: تسير في أراضٍ ومساراتٍ متعدّدة، إلّا أنّها تصبّ معًا في نهر الثورة الشاملة لتحرير فلسطين.

خالد بركات -الاداب
27 اب 2020

آخر الأخبار