22/11/2018
اضغط هنا لمشاهدة الندوة.

الكلمة التي ألقاها د. سماح إدريس في عمّان، بدعوة من “تجمع إتحرّكْ”، في المركز الرئيس لحزب الوحدة الشعبيّة. وهي بعنوان: “التطبيع الثقافيّ وسبلُ مواجهته”:
***
أيّها الحضور الكريم،
معركتنا مع العدوّ الإسرائيليّ معركةٌ على كلّ الجبهات، وفي طليعتها: جبهاتُ الثقافة، والفنّ، والإعلام، والرياضة. المثقفون والفنانون والإعلاميون والرياضيون الإسرائيليون جزء من الترسانة الإسرائيليّة. وليس مصادفةً أن “تُرافق” وزيرةُ الثقافة والرياضة الإسرائيليّة العنصريّة، ميري ريغيف، وفدَ الجودو الإسرائيليّ إلى الإمارات العربيّة المتحدة؛ وليس مصادفةً، قبل ذلك، أن تستشيطَ الصحافةُ الإسرائيليّةُ غيظًا حين أفلحتْ حملةُ المقاطعة في لبنان وغيرِه في منع فيلم “المرأة الخارقة” من بطولة الممثِّلة الإسرائيليّة وملكة جمال “إسرائيل” غال غادوت.
وإذا ركّزنا على غادوت وحدها، فينبغي أن نقول إنّها ليست مجرّدَ ممثّلة بالمعنى التقنيّ فحسب، وإنّما بالمعنى “التمثيليّ” الرمزي الأعمق أيضًا: فهي رمزٌ “للجمال” الإسرائيليّ، و”للقوّة الخارقة” الإسرائيليّة، و”للتحرّرِ النسويّ” الإسرائيليّ أيضًا. غادوت، في نظر الكيان الصهيونيّ، تكثيفٌ “للمميِّزات” الإسرائيليّة الرمزيّة وسط محيطٍ عربيّ يرتع بالتخلّف والإرهاب! فكسرُ رأسِها في بيروت وغير بيروت كسرٌ لهذه الرمزيّة والمميّزات نفسها.
***
أيّها الكرام،
لا بدّ لنا أولًا من تناول تعريف “التطبيع،” ومفهومِنا له في حملة المقاطعة في لبنان. وهو تعريف يختلف ويتقاطع مع تعريف رفيقاتنا ورفاقنا الأعزّاء في حملة المقاطعة في فلسطين.
ففي سنة 2007، أقرّ ممثّلو الأحزاب والهيئات الشعبيّة والنقابيّة في فلسطين وثيقةً تطرح الحدودَ الدنيا في تعريف “التطبيع” بهدف عزل الكيان الصهيونيّ دوليًّا. فاقتصرتْ معاييرُ التطبيع على ما يَضرب “الحقوقَ الفلسطينيّة غيرَ القابلة للتصرّف” بموجب القانون الدوليّ، وتحديدًا: “الحقّ في تقرير المصير، بما فيه حقُّ اللاجئين في العودةِ والتعويضِ طبقًا لقرار الأمم المتّحدة رقم 194، وكافّة القرارات المتعلّقة بعروبة القدس وبعدم شرعيّة الاستيطان…” وعليه، فقد عرّفت التطبيعَ بأنّه:
“المشاركة في أيّ مشروعٍ… مصمَّمٍ خصّيصًا للجمع… بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفرادًا كانوا أو مؤسّسات)، ولا يهدف صراحةً إلى مقاومة أو فضحِ الاحتلال وكلِّ أشكالِ التمييز والاضطهاد الممارَس على الشعب الفلسطينيّ. وأهمُّ أشكال التطبيع هي تلك النشاطات التي تهدف إلى التعاون العلميّ أو الفنّيّ أو المهنيّ أو النسويّ أو الشبابيّ، أو إلى إزالة الحواجز النفسيّة. وتُستثنى من ذلك المنتدياتُ والمحافلُ الدوليّة التي تُعقد خارج الوطن العربيّ [و]يشترك فيها إسرائيليون إلى جانب مشاركين دوليين، ولا تهدف إلى جمع الفلسطينيين أو العرب بالإسرائيليين…”
غير أنّ هذه المعايير، على كونها طرحًا متقدّمًا بالنسبة إلى السياق الدوليّ، لا تنسجم مع معايير بلدٍ مثل لبنان، يمتلك قانونًا يحظِّر التعاملَ مع “إسرائيل”، ويعاقب مَن يَخرق ذلك بالسجن والأشغال الشاقّة، وألغى في الثمانينيّات اتفاقَ 17 أيّار معها، وطردها من غالبيّة الأراضي اللبنانيّة التي احتلّتها، ويمتلك اليوم أكثرَ من 150 ألف صاروخ ضدّها! ولذلك، تدعو حملتُنا إلى رفض المشاركة مع أيّ إسرائيليّ محتلّ، في أيّ مشروعٍ مشترك، من دون حصر ذلك بـ”المؤسّسات الإسرائيليّة المتواطئة مع الاستعمار الإسرائيليّ” لأنّ كلَّ المؤسّسات الإسرائيليّة تُسهم في إدامة الاحتلال. بل إنّ حملتَنا لا تَحْصر مسؤوليّةَ الاحتلال بالمؤسّسات الإسرائيليّة، وإنّما تحمِّل الأفرادَ (باستثناء الأطفال) الذين يحتلّون أراضي الفلسطينيين أو منازلَهم المسؤوليّةَ أيضًا. ومن ثمّ تتبنّى حملتُنا في لبنان تعريفًا أعلى سقفًا للتطبيع: إنّه المشاركة في أيّ نشاطٍ يَجمع بين عربٍ وإسرائيليين ما دامت “إسرائيلُ” قائمةً. وينطبق هذا التعريف على كلّ أشكال “التعاون” العلميّ أو المهنيّ أو الفنّيّ أو النسويّ أو الشبابيّ؛ كما ينطبق على إجراء المقابلات مع وسائل إعلام العدوّ أيًّا كانت. غير أنّه يُستثنى من ذلك، طبعًا، فلسطينيّو العام 1948، ما لم يروِّج بعضُهم للتطبيع مع العدوّ.
***
ما سبلُ مواجهة التطبيع الثقافيّ؟
1 ـ علينا أوّلًا أن نشدّد على أنّنا لا ننطلق في هذه المواجهة من فراغ. فنحن نمتلك تراثًا معقولًا من ثقافة المقاطعة ضدّ الإنجليز، من أهم رموزه بيرم التونسي، قبل أن يأتي آخرون في مصر مثلًا ليرفعوا لواءَ مقاطعة الصهاينة والأميركان، أمثال محمود الطويل وماجد يوسف.
إلى أن برزتْ أشكالٌ متنوّعةٌ من مقاومة التطبيع الثقافيّ مع “إسرائيل،” وذلك مع أول معاهدة سلامٍ (علنيّة) عربيّة معها، وأقصد كامب ديفيد، إذ تشكّلتْ على الأثر “لجنةُ الدفاع عن الثقافة القوميّة” (1979) وحملتْ شعار “المقاطعة الشاملة لكلّ عمليّات التبادل الثقافيّ والعلميّ والتربويّ والفنيّ مع المؤسّسات الصهيونيّة.” هذه اللجنة قادت التصدّي لمنع إشراك العدوّ في معرض الكتاب في القاهرة. كما تحرّكتْ ضدّ التطبيع الثقافيّ في مصر جمعيّاتٌ ونقاباتٌ وروائيون وشعراءُ ومهندسون….
2 ـ ثانيًا، علينا أن نعي أنّ السبيلَ الأهمّ لمواجهة هذا التطبيع يصيب البيئةَ غيرَ المطبِّعة؛ فلولا هذه البيئة، بيئتُنا نحن، لما استسهل المطبِّعون التطبيعَ! وأهمُّ ما نفعله في هذا الصدد ما يأتي:
أ) مواجهةُ ثقافة الاستهتار أو الاستهانة بالمقاطعة. وذلك يتمّ بسردِ ما حقّقته المقاطعةُ في العالم والوطن العربيّ من إنجازات على صعيد الفنّانين والأكاديميين والطلّاب وأعضاءِ الكنائس والجمعيّات العلميّة والفِرق الرياضيّة والبلديّات وصناديقِ التقاعد وغير ذلك. كما نواجه ثقافة الاستهتار بسرد إجراءات العدوّ ضدّ المقاطعة، ومنها: أنّ الكنيست الإسرائيليّ سنّ قانونًا لمحاربة المقاطعة؛ وأنّ وزيرَ الأمن والشؤون الإستراتيجيّة عُيّن مسؤولًا عن تطبيقه؛ وأنّ العدوّ يُدرج المقاطعة بندًا رئيسًا في مؤتمراته الكبرى (أبرزُها هرتزليا ومؤتمرٌ لـيديعوت أحرونوت قبل عامين حضره رئيسُ الكيان ورئيسُ الصندوق القوميّ اليهوديّ ووزيرُ الأمن العامّ ووزيرُ التربية ووزيرُ الاستخبارات ووزيرةُ الخارجيّة آنذاك)؛ وأنّ اللوبي الصهيونيّ في الغرب يضغط على الهيئات التشريعيّة لاستصدار قوانين ضدّ مقاطعة الكيان. والأمثلة بعدُ كثيرةٌ، وهي تثبت أنّنا إزاء بروز “مجتمعٍ دوليّ جديد” يتجاوز الكونغرس والهيئات الدوليّة المتعاطفة تقليديًّا مع العدوّ.
3) علينا، ثالثًا، نقدُ “ثقافة الحوار” الليبراليّة السمجة. ومن أهمّ مداميكها:
ـ التسامحُ مع “الآخر” والسلامُ معه، وكأنّ المحتلّ محضُ “آخر.”
ـ “تفهّم وجهات النظر المتعددة” و”تفهُّم السرديّات الأخرى.” وفي رأينا، أيها الأعزّاء، أنّ قضيّة فلسطين، بشكلٍ خاصّ، لا تحتمل إلّا سرديّةً واحدة، اسمُها: حريّة كامل فلسطين وكامل الأراضي المحتلة.
ـ الزعم أنّ “معرفة العدوّ تستلزم الحوارَ معه.” نعم، معرفةُ العدو ضرورةٌ من ضرورات هزيمته، لكنّ ذلك لا يستلزم الحوارَ معه، ولا “تنفيعَه” بشراء كتبه وحضورِ أفلامه مثلًا. معرفتُه ممكنة من دون التواصل المباشر معه ومن دون تنفيعه. وأرى أنّ على الأحزاب الوطنية، وضمنها حزبُ الوحدة الشعبية في الأردن بالتأكيد، أن تضطلع بمهمّة تثقيف الناس في سياسة العدوّ واقتصاده وإنتاجه الفنّيّ والثقافيّ والأدبيّ والسينمائيّ، إنّما ضمن أطرٍ موجّهة، وبنُسخٍ مقرصنة. كما أنّ على جامعاتنا أن تخصّصَ مساقاتٍ عليا لتدريس إنتاج عدوّنا على كلّ المستويات.
ـ الزعم أنّ “وسائل إعلام العدوّ منفصلة عنه،” وأنّ “الحوارمعها مفيدٌ لقضيتنا.” الحقّ أنّ هذه الوسائل جزءٌ من الاحتلال لأنها تطمس جذرَ المسألة، النكبة والاستعمار، وإنْ كانت تفسح هامشًا ضئيلًا لوجهات نظرٍ مخالفة، بما يعزِّز من ديمقراطيّتها الكاذبة. صحيح أنّ بعضَ مَن تحدّثوا إلى هذه الوسائل من الشخصيّات العالمية قد طَرَحَ عدالةَ المسألة الفلسطينيّة، لكنْ هل أفلحوا في “شقّ” الوعي الصهيونيّ، المتخَم بالضخّ الإعلاميّ الصهيونيّ على امتداد عقود؟ وحتى لو سلّمْنا أنّه قد يكون مفيدًا أن يُسمِعَ مثقفٌ تقدّميٌّ عالميّ جمهورَ الكيان الصهيونيّ، عبر الوسائل الإعلاميّة الإسرائيليّة، صوتَه المعادي؛ لكنْ ما معنى أن يقوم مثقفٌ عربيٌّ بذلك؟
ولمن يحاول الادّعاءَ أنّ موقف حركة المقاطعة العالميّة (BDS) من الحوار مع وسائل الإعلام الإسرائيليّة مختلفٌ عن موقفنا، أترجم ههُنا عن الإنكليزيّة ما كتبتْه “الحملةُ الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل”:
“على الرغم من أنّ BDS لم تدعُ إلى مقاطعة الإعلام الإسرائيليّ المتواطئ (الاستشهادُ به واستخدامُ المعلومات التي يوردُها، مثلًا، لا يقعان بكلّ تأكيدٍ ضمن نطاق الحملة)، فإنّها ترى أنّ المقابلات التي تجريها الشخصيّاتُ الثقافيّةُ العربيّةُ مع الإعلام الإسرائيليّ المتواطئ تُسبّب ضررًا يفوق الفائدةَ، بغضّ النظر عن النوايا. إنّ حركة BDS لم توصّفْ هذه المقابلات عملًا من أعمال التطبيع، لكنّنا نصحْنا بتحليلها على أساس المنفعة/الضرر بما يتماشى مع المبادئ العامّة لـ BDS . بعضُ المثقفين العرب الذين يوافقون على إجراء مقابلاتٍ مع وسائل الإعلام الإسرائيليّة المتواطئة يبرّرون ذلك بأنّه محاولةٌ لـ ’تغذية الانشقاق الداخليّ [الإسرائيليّ]‘ و’الاشتباك‘ مع الذهنيّة الإسرائيليّة بطرح أفكارٍ ’ثوريّةٍ‘ في شأن حقوق الفلسطينيين. لكنْ، في حين أنّ النيّة قد تكون نبيلةً، فإنّ الحقيقة على الأرض تُظهر أنّ محاولاتهم غيرُ حكيمة، وفي غير مكانها، وغالبًا ما تكون مضرّةً بنضالنا غير العنفيّ من أجل حقوقنا. إنّ إجراءَ مقابلاتٍ مع وسائل إعلام إسرائيليّة، تنتمي إلى الخطّ السائد، ومنحازةٍ بشكل كبير، وعنصريّةٍ واستعماريةٍ بشكلٍ عميق، تعطي تلك الوسائلَ، عن غير قصد، طابعَ الشرعيّة الفلسطينيّ/العربيّ التي تثبِّت مزاعمَها ’الليبراليّة‘ الزائفة.”
4) رابعًا، علينا مواجهةُ ثقافة التيئيس الفلسطينيّة والعربيّة. وللتيئيس حججُه الدائمة، أهمُّها ترويجُ وهْم “عداء المجتمع الدوليّ بأكمله لقضايانا.” وتكون المواجهة ببثّ ثقافة “الأمل الواقعيّ”، كما أسميتُها في مكانٍ آخر؛ أي الأمل المستند الى نجاحات المقاومة والمقاطعة وتجاربِ الشعوب في العالم وفشلِ العدوّ في كسرنا وتحطيم أحلامنا بعد 70 سنة.
5) خامسًا، علينا فكُّ الاشتباك المصطنع بين خطاب المقاومة المسلّحة والمقاطعة المدنيّة (بما فيها مواجهة التطبيع الثقافيّ). إنّ مقاطعةَ الاحتلال وإفرازاتِه، ومواجهةَ التطبيع الثقافيّ معه، وسيلتان مكمّلتان للمقاومة المسلّحة، لا بديلتان منها. أمّا المعيارُ الأساسُ في اختيار الوسيلة الأجدى للمواجهة فهو معيارُ المكان. فحيث تنعدم إمكانيّةُ المقاومة المسلّح، كما في دول اللجوء، فسيكون أساسُ المواجهة هو المقاطعة ومواجهة التطبيع؛ أمّا حين تتوفّر تلك الإمكانيّةُ، فستكون المواجهةُ بالكفاح المسلّح، لكنْ من دون إغفال أشكالِ المقاومةِ المدنيّةِ الأخرى.
6) سادسًا، عند تصدّينا للحالات التي يُشتمُّ منها التطبيعُ، فمِن واجبنا التحلّي بسعة الصدر، والتمييزُ بين تلك الحالات، والتحسّسُ لسياقاتها وخصوصيّاتها المحتملة. لا يجوز إلقاءُ تهمة التطبيع جزافًا؛ فهذا قد يسيء إلى حملات المقاطعة ومقاومة التطبيع ــ ــ وهذا التحذير أوجِّهُه إلى نفسي قبل غيري، لأنّني بالتأكيد لستُ بريئًا من الشطط أو الزلل.
هناك فارقٌ، أيّتها الأخوات وأيّها الإخوة، بين تطبيع قسريّ، وتطبيعٍ إراديّ. وهناك فارقٌ بين تطبيع إراديّ، وجهلٍ (غير مقصود) بهويّة الطرف الداعي أو المموِّل أو المشارِك. وهناك فارقٌ بين العجز عن تقصّي كلّ حالات التطبيع، والنيّةِ المبيّتةِ للتغطية على بعض حالات التطبيع دون غيرها لهذا السبب أو ذاك.
7) سابعًا، وجوبُ تغيير أسلوبنا في التعاطي مع موضوع التطبيع والمقاطعة، بل مع أيّ موضوع سياسيّ، باتجاه المزيد من استخدام الفنون البصريّة والسمعيّة، ووسائلِ التواصل الاجتماعيّ. فهذه أكثر تشويقًا ولفتًا للانتباه، في كثيرٍ من الأحيان، من الكلمة المنطوقة أو الخطب المملّة (كخطبتي هذه!).
8) ثامنًا، وأخيرًا، ضرورة أن يضغط الحزبيون والنقابيون على أحزابهم ونقاباتهم من أجل إدراج مقاومة التطبيع والمقاطعة على رأس أجنداتهم، بدلًا من الاكتفاء بترداد شعاراتٍ عامّةٍ عن الكفاح المسلح والحقّ الفلسطينيّ، أو التربيتِ على أكتاف ناشطي المقاطعة من دون القيام بتحمّل أيّ مسؤوليّة عمليّة!
شكرًا لإصغائكم,