كلمة د. سماح ادريس في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا – صور: دور الطلاب الجامعيين في مقاومة العدو الصهيونيّ.
كلمة د. سماح ادريس في صور، في ٨ آذار ٢٠١٨، بدعوة من الجامعة الأميركية للتكنولوجيا، وجمعية “هلا صور،” وهي بعنوان: دور الطلاب الجامعيين في مقاومة / مقاطعة العدو الصهيونيّ.
***
صباح الخير وشكرًا لدعوتي.
في العنوان: أفضّل كلمة “مقاومة”؛ ذلك لأنّ المقاطعة المدنيّة جزء من مفهوم “المقاومة الشاملة،” التي تتضمّن العملَ المسلّح، وليست جزءًا منفصلًا عنه، ولا هي في تناقضٍ معه على الإطلاق. ما يحدِّد نقاطَ الافتراق، أو التقاطع، أو التماهي، بين المقاطعة المدنيّة والمقاومة المسلّحة، إنّما هو الظرفُ والمكان: فحيثما تنعدم إمكانيّةُ مقاومة العدوّ الصهيونيّ بالسلاح، بسبب غياب ساحات المواجهة الجغرافيّة المباشرة مثلًا، فإنّ الملاذ يكون في سلاح المقاطعة، وهو سلاحٌ لا يقلّ خطورةً وأثرًا؛ وحيث تسنح الظروفُ بالمقاومة المسلّحة فستكون المقاطعة عاملًا مساعدًا، وربّما من تحصيل الحاصل.
ولكنْ لنحدِّدْ أولًا مفهومَ “المقاطعة،” وأشكالها.
المقاطعة أسلوب مدنيّ، غير عنفيّ في العادة. وتُستثنى من ذلك حالاتُ الاصطدام مع القوات المعادية أثناء التظاهر، أو مع أجهزة الشرطة المحليّة المستبدّة، أو مع أجهزة أمن الشركات الداعمة لـ”إسرائيل.”
والمقاطعة قسمان: قسمٌ موجَّهٌ إلى العدو، وتحديدًا إلى مؤسّساته الأكاديميّة والفنيّة والاقتصاديّة والرياضيّة والثقافيّة وغيرها؛ وقسمٌ موجّهٌ إلى داعميه، من شركات ومثقفين وفنانين وغير ذلك. أما القسم الأول (الموجَّه إلى العدوّ) فيَكفله ويحميه، بل يفرضه أيضًا، قانونُ مقاطعة “إسرائيل،” الصادر عن جامعة الدول العربيّة، وتبنّاه لبنان سنة 1955، وينصّ على الآتي: “يحظّر على كلّ شخصٍ، طبيعيٍّ أو معنويّ، أن يَعقدَ، بالذاتِ أو بالواسطة، اتفاقًا مع هيئاتٍ أو أشخاص مقيمين في إسرائيل، أو منتمين إليها بجنسيّتهم، أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها، وذلك متى كان موضوعُ الاتفاق صفقةً تجاريّةً أو عملياتٍ ماليّةً أو أيَّ تعاملٍ آخرَ أيًّا كانت طبيعتُه.”
وهذا ينبغي أن يعني كافّة أشكال التعامل مع العدوّ، بما في ذلك التعاملُ الثقافيّ والإعلاميّ والنسويّ والطلّابي وأيَّ تعامل آخر. ولا تفيد في هذا الصدد كلُّ مزاعم المثقفين والفنّانين التطبيعيين العرب من نوع: “لقد تواصلْنا مع هذا المنبر الإعلاميّ الإسرائيليّ أو ذاك من أجل اختراق الوعي الإسرائيليّ وشقّ الإجماع الإسرائيليّ،” أو “لقد صوّرْنا فيلمًا في تل أبيب لأنّنا نمارس المقاومة الفنيّة وأردنا زرعَ قنبلةٍ فنيّةٍ في إسرائيل!” ومع ذلك، فإنّ حملة مقاطعة داعمي “إسرائيل” في لبنان اقترحتْ أن يعدَّل القانون بحيث ينصّ صراحةً على أشكال التعامل (الفني والثقافي …)، وأن يستثني فلسطينيي 48، الذين اضطُرّوا إلى التطبيع القسريّ مع دولة الاحتلال، ما لم يروّج بعضُهم لدولة الكيان الغاصب وللتطبيع العربيّ ـ الإسرائيليّ.
وأما القسم الثاني، أي المقاطعة الموجَّهة إلى داعمي العدوّ ممّن لا يحملون الجنسيّة الإسرائيليّة، فأهمّ أشكاله: مقاطعة الشركات الداعمة له، ومقاطعة الفنّانين
والمثقّفين والعلماء والرياضيين المساندين له. أما معايير مقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال فأهمُّها:
*بناءُ مصانع ومراكز بحثٍ وتنمية في أراضٍ “طُهّرتْ” من الفلسطينيين.
* شراءُ شركاتٍ إسرائيليّة أو أسهمٍ فيها.
* الإسهامُ في آلة الحرب الإسرائيليّة.
* تقديمُ دعم إلى جمعيّات “خيريّة” وصهيونيّة.
* رعايةُ نشاطاتٍ فنيّة ورياضيّة وثقافيّة وتربويّة إسرائيليّة.
وأما معايير دعم الفنّانين والأكاديميين غير الإسرائيليين للكيان الصهيونيّ، فأهمّها:
* مشاركتهم في أنشطة داخل هذا الكيان أو لصالحه، لِما فيها من “تلميعٍ” و”طمسٍ” لإجرامه.
* جهرُهم بتأييد الكيان.
* دعمه ماليًّا، أو مشاركتهم في جمع التبرّعات لهيئات إسرائيليّة.
***
أيّتها الأخوات، أيها الإخوة
هناك تراجعٌ ملموسٌ من طرف “المثقفين” اللبنانيين بشكل خاصّ عن الاضطلاع بدور المقاطعة ومناهضة التطبيع مع كيان العدوّ ومؤسّساته ورعاياه، بذرائع متعدّدة، ذكرْنا بعضَها أعلاه، ونضيف هنا: “العالم كلّه إسرائيليّ فلا جدوى من المقاطعة،” “شو وقفتْ علينا؟” وعليه، فإنّ مهمّة الطلاب الجامعيين اللبنانيين تغدو مضاعفةً، إذ عليهم أن يكونوا هم المثقفين المقاومين أو المقاومين المثقفين. وتتحدّد أدوارُهم، كما أرى، في الآتي:
– الدور الأول هو حمل السلاح والتدرّب عليه. فلا غنى عن السلاح في ردّ العدوان، أو ردعه عن مغامرته. والتدرّب على السلاح ينبغي أن يكون واجبًا على كلّ طالب جامعيّ قادر، وخصوصًا مع إلغاء “خدمة العلم.”
– أما على جبهة المقاطعة، فدورُ الطلاب الجامعيين أعقد وأوسع لأنه يطول دوائرَ متعدّدة.
أ ـ الدائرة الأولى تخصّ محيطَهم المباشر: البيت. هل هناك بضاعة تدعم الاحتلال في بيتهم؟ هنا عليهم العودة إلى “دليل المقاطعة” الذي أصدرتْه حملتنا، أو إلى
تطبيقها الهاتفيّ، وإقناع أفراد عائلتهم بأسباب مقاطعة هذه الشركة أو تلك.
ب ـ الدائرة الثانية هي الأندية التي ينتمون إليها (الثقافيّة، الرياضيّة،…). وهنا عليهم أن يتسلّحوا بمعلومات غزيرة نشرتْها حملتُنا عن دور الطلّاب الجامعيين في العالم في مقاطعة “إسرائيل.”
ج ـ الدائرة الثالثة هي جامعاتُهم. هل تبيع الكافيتيريا أو البرّادات داخل جامعاتهم بضاعةً تدعم الاقتصادَ الإسرائيلي، وخصوصًا نسلة وكوكاكولا؟ وهل تستخدم شركةً أمنيّةً تدعم الشرطة (أو السجون سابقًا) مثل جي 4 أس؟ وهل تستخدم حواسيبَ وطابعات هيوليت باكارد (
د ـ الدائرة الرابعة هي الأحزاب أو الأطر السياسيّة/الاجتماعيّة التي ينتمون إليها. وهنا عليهم عدمُ التهاون بالقول إنهم ينتمون إلى أحزابٍ مقاومةٍ لأنّ هذه الأحزاب لا تفعّل ـ للأسف ـ ثقافةَ المقاطعة ولا آليّاتها. وهذا خطأ جسيم، إذ إنّ المقاومة لا يمكن أن تنتصر بالسلاح وحده كما قلنا غيرَ مرّة. ولا يفيد أن نقاتلَ العدوَّ بيد، ثمّ ندعمَ اقتصادَه (و”سمعتَه” الفنيّة والعلميّة) باليد الأخرى. أما كيف يفعّلون ثقافة المقاطعة داخل أحزابهم، فذلك يتمّ عبر بناء لجان متخصّصة، تَضمّ من يُحْسن الترجمة والبحثَ الإلكتروني وتنظيمَ “الايفنتس” و”التصفيقات الرعديّة.” وعليهم أن يضغطوا على أحزابهم من أجل إنشاء زوايا دائمة (لا مناسباتيّة) في جرائدها وقنواتها الإذاعيّة والتلفزيّة ومواقعها الإلكترونية، تنشر أخبارَ المقاطعة وآليّاتها. هنا الطلاب الجامعيون قوة تثويريّة من داخل الأحزاب، تضغط لتعميم ثقافة المقاومة بما يتجاوز الفتاوى و”المسلَّمات” الوطنيّة والقوميّة والأخلاقيّة.
هـ ـ الدائرة الخامسة هي المحافل العالميّة. فكثيرًا ما يشارك الطلابُ الجامعيون في مؤتمرات وندوات علميّة ومهرجانات شبابيّة وكشفيّة عالميّة. هنا عليهم أن يقاطعوا أيّ منبر يشارك فيه إسرائيليون، وأن يجهروا بذلك، مبيّنين الأسبابَ الأخلاقيّة والسياسيّة والقانونيّة، وأن يَحشدوا معارفَهم ضدّ هذه المشاركة، وأن يطلبوا ـ في أقلّ تقدير ـ نقلهم إلى جلساتٍ أخرى لا إسرائيليين فيها (في حال عدم موافقة المؤتمر على إلغاء مشاركة العدوّ). وعليهم ألّا يفصلوا بين الفنّ والعلم والثقافة من جهة، والسياسة والاحتلال والعنصريّة من جهة أخرى. وهنا يتجلّى أهمُّ دور للطلاب الجامعيين على ما ألمعْنا سابقًا؛ ففي حين يبدو أنّ عددًا كبيرًا من “مثقفينا” قد أصيبوا بلوثة “الليبراليّة” الزائفة (وذرائعِها المذكورة أعلاه)، على طلّابنا الجامعيين أن يصحِّحوا الرؤية بالتشديد على ترابط كلّ الأنشطة الإسرائيليّة المعادية، ومن ثمّ على ضرورة ترابط كل الأنشطة الوطنيّة والقوميّة المواجِهة.
***
شكرًا لصور التي قدّمتْ أجملَ أمثولات الكرامة والمقاومة. سعادتي شخصيًّا، وسعادة حملة المقاطعة، أكبرُ من أن توصف، بوجودنا في الجنوب. أنتظر أسئلتكم ومداخلاتكم.