في أيار 1980, أقرّت “جمعية أساتذة الجامعات” و هي نقابة تمثّل الهيئة الأكاديميّة و الإداريّة العليا في الجامعاتا البريطانيّة, قراراً بالغ الأهمية في مجلسها السنوي. و قد نصّ هذا القرار (و يحمل الرقم 29) على التالي: “يعيد المجلس التشديد على معارضته الكاملة لسياسات الأبارتهايد والرقابة على العمل الأكاديمي و الكتب و الأدب إلخ, و يؤْمن بأنّ أكثر الأعمال فعّالية هو فرضُ مقاطعةٍ شاملةٍ على أي شكلٍ من أشكال الاتصال بالجامعات الجنوب أفريقية و الأكاديميين الجنوب أفريقيين.” و بعد سبع سنوات أقر المجلس القرار رقم 43 الذي طلب من اللجنة التنفيذية و ممثّلي مؤتمر النقابة في جمعية الأساتذة الضغط على مؤتمر النقابة من أجل تبنّي سياسة حصار اقتصادي شامل على جنوبي أفريقيا من قبل حركة النقابات.” و الحال أن سياسة الجمعية بفرض المقاطعة على جنوبي أفريقيا لم تُرفع حتى كانون الأول 1993.
السؤال الذي يقفز فوراً الى الذهن هو: لماذا لم يتمّ حتى الآن إقرار مثل هذه القرارات الكاسحة في النقابات الأكاديمية البريطانيّة بحقّ الأبارتهايد الاسرائيليّ؟ ثمة عددٌ من العوامل المحتملة التي تقترح ذاتها للإجابة. الأول, هو أنّ المقاطعات لا تُبنى بين ليلةٍ و ضحاها: إذ من الممكن القولُ إنّ الأبارتهايد في جنوبي أفريقيا بدأ سنة 1948, و لكنً أول مقاطعة لبضائع من جنوب أفريقيا بدأ سنة 1948, و لكنّ أول مقاطعة لبضائع من جنوب أفريقيا (ولا سيما الفاكهة و السجائر) لم تبدأ إلّا بعد عقدٍ كامل, و تحديداً في 26 حزيران 1959, و لم تبدأ “جمعية أساتذة الجامعات” في بريطانيا مقاطعتها الأكاديمية لجنوب أفريقيا إلّا بعد 32 سنة من بدء الأبارتهايد. و حين نقارن ذلك بوضع مقاطعة إسرائيل, فإنّنا, ولو اتّخذنا من الاحتلال عام 67, بدلاً من النكبة عام 48, نقطة انطلاق, فقد طال موعد بدء حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها و فرض العقوبات عليها بعد واحدٍ و أربعين عاماً. غير أن الدعوة الفلسطينيّة الرسمية الأولى الى المقاطعة لم تطلق إلّا في العام 2004. إذن, من وجهة النظر هذه, يمكن القول إنّ حملة مقاطعة إسرائيل تنمو بسرعة مثيرة للإعجاب بعد انطلاقتها المتأخّرة الى حدٍ ما.
العامل الثاني هو أنّه حين كانت جمعية الأساتذة تناقش مسألة إصدار القرار 29, كانت واثقةً بأنّها تشارك في حملةٍ مدعومةٍ من الأونسكو و “مجلس أوروبا” و الكومونولث و الأمم المتحدة, و جميعها سبق أن أجمعت على أن سياسة المقاطعة الثقافية الشاملة لجنوب أفريقيا ستنجح على الأرجح في تغيير سياستها الداخلية. أما في حالة الدعوة الفلسطينية الى مقاطعة إسرائيل اليوم, فإن الكومونولث غير ذي صلة. كما أن الأمم المتحدة-على رغم إقرارها مئات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العمومية بإدانة تصرّف إسرائيل حيال الأراضي الفلسطينيّة- لم تدعُ يوماً الى المقاطعة, ويصعب أن تفعل ذلك ما دامت الولايات المتحدة عضواً في مجلس الأمن. أما الأونوسكو فقد دانها الناشطون الفلسطينيّون بسبب معاييرها المزدوجة, إذ هي تدعم إنشاء المنظمة العلمية الإسرائيليّة- الفلسطينيّة (IPSO) خلافاً لقرار المجلس الفلسطينيّ للتعليم العالي الذي رَفَض مراراً وتكراراً “التعاون التقني والعلمي بين الجامعات الفلسطينيّة والاسرائيليّة.”[1] و في الأثناء تقدّم رئيس الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا (PACE) مؤخّراً باقتراح إقامة منتدًى ثلاثي مكوّن من الكنيست الاسرائيلي و المجلس التشريعي الفلسطينيّ والجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا.[2]
العامل الثالث هو ما تذكره وثيقةً أصدرتها جمعية الأساتذة وجاء فيها: “لعلّ أهمً الأمور هو الدعم الذي تحظى به مثل هذه المقاطعة ]مقاطعة الأبارتهايد في جنوبي افريقيا[ من قبل المنخرطين داخل جنوبي أفريقيا في النضال من أجل الحرية, و بخاصة المؤتمر الوطني الأفريقيّ.” المؤسف أنّه ليست ثمّة منظمةٌ شبيهةٌ بالمؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) في فلسطين: فالحملات التعبوية, مثل “الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لاسرائيل” (PACBI) و”بديل” تسعى الى ملء الفراغ الذي كان يُتوقّع أن تسدّه منظمة التحرير الفلسطينيّة.
وقد يمضي المرء فيلاحظ, على سبيل المثال, الدعم الذي قدّمه “الاتحاد الوطنيّ للطلّاب” لأشكال مقاطعة جنوب أفريقيا أثناء حكم الأبارتهايد, ثم يقارن ذلك بتبنّي الاتحاد في مؤتمره السنوي عام 2007 ل”التعريف الأوليّ لمعاداة السامية” بحسب مركز المراقبة التابع للاتّحاد الأوروبي (). فهذا التعريف يشمل “حرمان الشعب اليهودي حقّه في تقرير المصير (من خلال الزعم, مثلاً, أن وجود دولة إسرائيل مسعًى عنصريّ)” و”رسم المقارنات بين سياسة إسرائيل الحالية و سياسة النازيين.”
لكنّ, عند هذا الحد, من الضروري أن نتوقّف و نسأل: لماذا لا يجد الفلسطينيّون الداعون الى مقاطعة إسرائيل و سحب الاستثمارت منها وفرض العقوبات عليها الاستجابة عينها من المجتمع الدوليّ التي حصل عليها نظراؤهم السود في جنوب أفريقيا؟ و على الجواب أن يكون التالي: إنّ إسرائيل تُعتبر, الى حدٍّ ما, مختلفة. ولمن يسألونني “لماذا تُفردين إسرائيل ]أي تميّزينها[؟ “أجيبهم بأنّني لا أفعل ذلك, و إنّما أؤمن ببساطة أنّ على إسرائيل أن تخضع للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتّحدة شأن أي دولة أخرى. إنّ السّاعين الى إعفاء إسرائيل من قوانين محكمة العدل الدوليّة. مثلاً, هم الذين يمكن أن نتّهمهم حقّاً بإفراد ]أو تمييز[ إسرائيل و معاملتها معاملة خاصة.
ولذلك حين أقرّ المجلس السنوي لجمعية الأساتذة عام 2005 قرارات تدعو أعضاءها الى مقاطعة جامعة بار-إيلان (بسبب تورّطها في “كليّة يهودا والسّامرة” الموجودة في مستوطنة آرييل غير الشرعيّة ]بموجب القانون الدوليّ[ و جامعة حيفا (لإساءة معاملتها الباحث الأكاديميّ المعارض إيلان بابيه), تكشفت أحداث غير مسبوقة. فعلى حد علمي لم يسبق للاتّحاد الذي أنتمي إليه أن تلقي رسالة من ماحمٍ[3]يهدّده باتخاذ تدبير قضائي بتهمة التشهير بسبب نشر الاتّحاد على موقعه الالكترونيّ اقتراحاً مقدّماً الى الكونغرس. و لم يسبق لأيّ كان, ناهيك بمحامٍ, أن أثار قضية لأنّ رئيس المجلس قلّص النقاش حول أحد القرارات بسبب ضيق الوقت: فمن الشائع, بحسب تجربتي, أن تُحتسب الأصوات في لقاءات مجلس جمعية الأساتذة. من دون نقاش, أو بنقاش قليل, وذلك بغية إنهاء كلّ المواد على أجندة اللّقاء. و مع أن قلّة نقاش القرارات الخاصة باسرائيل عام 2005 كان أمراً مؤسفاً بالتأكيد, فإنّه لم تكن ثمّة مؤامرة على الإطلاق من طرف اللّجنة المركزيّة لمنع النّقاش. وأعتقد أنّ السبب الرئيسي لإقرار الاقتراحات لا يعود الى قلّة النقاش, وإنّما لأنّ قيادة جمعية الأساتذة التي عارضت بشدّة كل الاقتراحات للمقاطعة, كانت قد قوّضت صدقيتها بنفسها من قبل حين طرحت اقتراحاً يدعو الى بناء روابط من كل من “اتّحاد نقابات أساتذة وموظّفي الجامعات الفلسطينيّة” و”الاتّحاد الاسرائيليّ للتعليم العالي.” وذلك بهدف خلق التوازن. ولكن في كلمتي الدّاعية الى تعديل الاقتراح أشَرتُ الى أنّه ليست ثمّة منظّمة إسرائيليّة بهذا الاسم. فتمّ التسليم بما قلت, و أقر المجلس التعديل كما ينبغي, و هو ما تَرَك جمعية الأساتذة تتبنّى سياسة إقامة الصلات بالنقابيّين التعليميين الفلسطينيّين لا الاسرائيليّين. و بعد ذلك كان المجلس أكثر استجابة للاقتراحات الداعية الى المقاطعة, و هي التي نوقشت مباشرة من بعد.
إلّا أنّ الأحداث غير المسبوقة حقّاً هي ما سيتلو ذلك. ذلك أن قواعد الاتحاد سمحت بالدعوة الى عقد “مجلس خاص” إن وقّع 25 عضواً من المجلس طلباً بذلك. وخلال العقد الذي كنت فيه ناشطة في جمعية الأساتذة حضرت عدداً من “المجالس الخاصّة” لكنّها كانت كلّها تعقد لمعالجة أحداثٍ حصلت بين اجتماعات المجلس العادية, و المجلس أعلى هيئة مقرّرة في الاتحاد المذكور. و كان سبب انعقادها في العادة هو أنّنا اختلفنا بصدد المعاشات, وكان الموظّفين يقدّمون إلينا عرضًا نحتاج أن نناقشه و نصوّت عليه; و تلكم قراراتٌ لا نمْلك أن نؤجّلها إلى اجتماعنا السنوي القادم. ولكنْ, هذه المرة, مُرِّرت عريضةٌ لجمع التواقيع المطالبة بعقد “مجلس خاص” لهدفٍ واحدٍ, ألَا وهو الانقلابُ على قراراتٍ اتّخذت للتوّ, وبشكلٍ ديمقراطيّ, في جلسةٍ عاديةٍ من جلسات المجلس. و قد أضيفت الى العريضة التواقيع الخمسة والعشرون كما ينبغي, وكان على “المجلس الخاصّ” أن يُعقد خلال واحدٍ وعشرين يوماً- وهذا لم يتركْ ما يكفي من الوقت أمام أنصار مقاطعة إسرائيل أكاديميّاً لتحضير أنفسهم. فمثلاً تعذّر في مثل هذه المدّة القصيرة الإتيان بأكاديميّين فلسطينيّين من الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 67 لكي يشرحوا لأعضاء جمعية الأساتذة كيف يعيشون و يعملون تحت الاحتلال. (وكان رُفض طلبٌ وجِّه الى الجمعية لدعوة زملاء فلسطينيّين الى مخاطبة الاجتماع الأول للمجلس المذكور رغم التأييد الواسع الذي حظي به الطلبُ آنذاك). غير أن الأكاديميّين والطلّاب الاسرائيليّين كما يبدو لم يواجهوا أيه صعوبة ظاهرة في تنظيم عرضٍ على الطريق معادٍ للمقاطعة, جال على عددٍ من الجامعات, بما فيها جامعتي نفسها!
وفي هذه الأثناء كانت رسائلُ الكراهية و التهديدات بالقتل تتدفّق علينا: على مركز قيادة الجمعية, و على إيلان بابهْ, وعليّ أنا. وتصدّرت العرائض الشاجبة للمقاطعة مواقع إلكترونية كثيرةً, وشارك حائزون لجائزة نوبل في كورس الإدانة. وفي افتتاح “المجلس الخاص” الذي لم يُسمح للصحافة والجمهور بحضوره, أعلمت السكرتيرة العامّة لجمعية أساتذة الجامعات سالي هانت, وبرزانة, المندوبين بأنّ أربعة تهديدات قضائية مختلفة وجِّهت الى الاتّحاد, وإنْ لم تُعلمنا بطبيعة هذه التهديدات ولا بالاستشارة القانونية التي تلقّاها الاتحاد بصددها. وقد أقرّ, وبشكل احتفاليّ, اقتراحٌ يشجب أعضاء الاتّحاد الذين هدّدوا اتحادهم بإجراءات قضائيّة; وجاء الإقرار بنبرة سخطٍ أخلاقيّة كما كان ينبغي, ولكنّ التهديدات القضائيّة تغلّبت. والقول بأنّ “المجلس الخاص” جرى في جوّ من التخويف لا يصوِّر حقيقة الأمر بكاملها. بالطبع لم يكن المندوبون هم عينهم الأشخاص الذين سبق أن حضروا المجلس “العادي” بل إن بعض من حضروا لتمثيل فروعهم لم يشاهَدوا في اجتماع المجلس, ولا في اجتماعات الجمعية أو “اتّحاد الجامعات و الكليّات” منذ ذلك الوقت. ولم يكن من الغرابة أن يتمّ الانقلابُ على القرارات الداعية الى المقاطعة, وأحِلَّ محلّها قرارٌ بإنشاء “لجنة خاصة عن إسرائيل وفلسطين” تتبنّى سياسةً جديدةً عن المقاطعات الدوليّة بشكل عام.
لا بدّ أن يكون اللّوبي الإسرائيليّ قد انزعج انزعاجاً شديداً حين انتُخبتُ وانتُخب كامل هوّاش, وهو زميلٌ بريطانيّ فلسطينيّ في جامعة بيرمينغهام, في “اللّجنة الخاصّة” الى جانب جون بايك, وهو ناشطٌ بارزٌ معادٍ للمقاطعة, وألستير هنتر الذي عارض المقاطعة بكلامٍ أكثر اعتدالاً. وباستقطاب كهذا داخل اللّجنة المذكورة, كان محتوماً أن تأتي الوثيقة التي أصدرتها من طبيعة تسووية, ومع ذلك فقد تضمّنت فقرةً شرطيةً تنص على إطلاق الاتّحاد مقاطعة المؤسّسات الخارجيّة في “ظروف تكون فيها هذه المؤسّسات أو فروع المؤسّسات مبنيةً على أراضٍ تخضع لاحتلالٍ غير مشروع بحسب تعريف قرارات الأمم المتّحدة”. هذه الوثيقة[4]قد تبنّاها اليوم “اتّحاد الجامعات و الكليّات” الذي أنشئ في تموز 2006 بعد اندماج جمعية الأساتذة و الجمعية الوطنيّة لأساتذة التعليم العالي والمتقدّم (NATFHE).[5]
لقد منَعت قواعدُ الجمعية المذكورة من أن تثار من جديد في العام التالي قضيةٌ سبق أن قرر المجلس أمراً بشأنها. وعليه, لم يتسنّ لمجلس العام 2006 طرح القرارات الخاصة بالمقاطعة,. غير أنّ مثل هذه القيود لم تنطبق على اتحاد المحاضرين الذي يُعتبر تاريخيًّا أكثر تقدميّة من الجمعية سياسيّاً. ولهذا اتّجهت رقعة الضوء عام 2006 إلى مجلس اتحاد المحاضرين حين أقرّ اقتراحاً ينتقد سياسات الأبارتهايد الإسرائيليّة, بما فيها بناء جدار عازل, والممارسات التعليمية التمييزيّة, و يدعو أعضاءه إلى “التفكير في احتمال صواب فرض المقاطعة على من لا ينأون بأنفسهم عَلنًا عن مثل هذه السياسات”. وقد تَلَت ذلك الاقتراح ردودٌ هستيريةٌ بدت مألوفة آنذاك, غير أن السياسة الجديدة صارت بحكم الميتة خلال أيام وذلك حين اندمجت الجمعية مع الاتحاد ليشكّلا معاً “اتحاد الجامعات والكليّات” ومن ثم أصبحتْ كلّ السياسات السابقة للاتحادين محض استشارية.
اتجهت الأنظار كلّها بعد ذلك الى المؤتمر الأول لاتحاد الجامعات والكليّات في أيار 2007. وقامت “اللّجنة البريطانية من أجل جامعات فلسطين”, وهي لجنة أُنشئت عام 2004 لبدء حملة مقاطعة أكاديميّة لإسرائيل, بإعداد مسوّدة قرار, وسُلِّم فرعان من اللّجنة نسخة منه. وقد دعت المسوّدة اللّجنة التنفيذيّة إلى نشر الدعوة الفلسطينيّة إلى المقاطعة أمام كل فروعها المحليّة, بهدف التوعية والنقاش, ولتشجيع الأعضاء على “تأمّل التبعات الأخلاقية للروابط الموجودة والمقترحة مع المؤسّسات الأكاديميّة الإسرائيليّة”, ولتنظيم جولةٍ واسعةٍ للنقابيين الأكاديميين والتربوين الفلسطينيّين على جامعات المملكة المتّحدة.
كان النقاش طويلاً, وكان المتحدّثون الكثيرون ينتمون إلى الجانبيْن. وهذه المرّة لم يكن بإمكان أحدٍ أن يشْكو من أنّ التصويت اتُّخذ من دون نقاشٍ كافٍ. ولقد أُقرَّ الاقتراح بشكلٍ كاسح. كما أنّ اقتراحات أخرى نجحت في التصويت, ودعتْ إلى تعليق تمويل الاتحاد الأوروبيّ لإسرائيل, ووافقتْ على الوثيقة المتعلّقة بالمقاطعات العالمية التي كانت اللّجنة الخاصة المنبثقة عن جمعية أساتذة الجامعات قد أصدرتها.
والحق أن قوانين اتحاد الجامعات والكليّات لا تسهّل كثيراً دعوة المؤتمر إلى جلسة خاصة لأنّ هذه من صلاخيات مجلس جمعية الأساتذة.ولذلك حين حصلت ردة الفعل المتوقّعة من قبل اللّوبي الصّهيوني, اتّخذت هذه الردّة شكل التهديدات القضائيّة. فكان أن طلبت قيادة اتحاد الجامعات والكليّات استشارةً قانونية بخصوص المقاطعة, أملاً بلا ريب في أن يقال لها إنّ المقاطعة غير شرعية استناداً إلى هذا الأساس أو ذاك, فتستطيع من ثم أن تمْنع المقاطعة. غير أن الاستشارة التي تلقّتها تلك القيادة كان أقسى بكثير ممّا كان متوقعاً. وبحسب عبارة زميلي في “اللّجنة البريطانية من أجل جامعات فلسطين” مايك كوشمان, “فإنّهم أرادوا صاروخاً موجّهاً, لكنّ ما حصلوا عليه كان سلاحاً من أسلحة الدمار الشامل”. ذلك أن المحامي الذي استشاره اتحاد الجمعيّات والكليّات, وهو لورد لستر, أعْلمه أنّ الدعوة إلى المقاطعة ستكون غير شرعية لأنّها “ستتخطّى صلاحيات الاتّحاد.” وإذا صحّ ذلك فستكون له تبعاتٌ بعيدة المدى على كلّ النقابات بحيث تمْنعها من القيام بشتّى أعمال التضامن داخل المملكة البريطانيّة وعلى المستوى العالمي أيضاً. وعلاوةً على ذلك, فإنّ استشارةً قانونيةً تاليةً أوضحتْ أنّ امتحان مدى الدّعم الذي تحظى به المقاطعة بأي شكلٍ سيكون, هو الآخر, لاشرعيًا. ولا شكّ في أنّ هذا كان ضربةً قاصمةً للأمينة العامّة لاتحاد الكليّات والجامعات سالي هانت التي كانت قد جعلت من أحد مبادئ بيانها الختامي الأساسيّة أن يقترع كاملُ الأعضاء على القضية قبل أن يتمّ تطبيق أي دعوة إلى المقاطعة. وبالطبع لم يكن من عادة هذا الاتّحاد, ولا الاتحادات التي سبقته, أن تجري استفتاءً عامًّا على السياسات التي سبق أن صوّتت الهيئة العليا المقرَّرة في الاتّحاد عليها; ولكنّ إسرائيل, على ما شهدنا آنفًا, حالةٌ خاصة!
وعلى الرغم من أنّ الاقتراح لم يَذكر دعوة متحدّثين إسرائيليّين أو معادين للمقاطعة, فإنّ لجنة الاستراتيجيّة والمال التابعة للاتّحاد كانت قد قرّرت أن تتّخذ الجولةُ شكل الحوار السّجالي, على أن يدفع الاتّحاد تكاليف سفر الطرفيْن. إلّا أنّ اللّجنة المذكورة, في اجتماعها التّالي نهاية أيلول, قرّرت أن تعلّق الجولة على ضوء الاستشارة القانونيّة, وذلك بعد أسبوعين فقط من إرسال الدعوات الى النقابيّين الفلسطينيّين.
لقد كانت قصة العلاقة بين النّقابات وحملة مقاطعة إسرائيل أكاديميّاً, إذن, رحلةٌ مليئةٌ بالانعطافات والاعوجاجات والانحرافات. لكنّ “العفريت خرج من القمقم الآن ولا يمكن إرجاعه,” على ما عبّر أحد رفاقي في “اللّجنة البريطانيّة من أجل جامعات فلسطين” في نيسان 2005. فلا يمكن أن يكون هناك أكاديميّون كثيرون في المملكة المتحدة لا يعرفون اليوم نداء المقاطعة الذي وجّهته PACBI أو أسباب ذلك. والحقّ أن اتّهام أنصار المقاطعة بالعداء للساميّة يتهافت كثيراً.
من الواضح أنّ أعداء المقاطعة داخل اتحاد الجامعات والكليّات أصيبوا بالرّعب هم أنفسهم حين علموا أن جولة المحاضرات أُلغيتْ: فمعنى ذلك أنّ هناك تصميماً من قبل الناشطين على إعادة برمجة هذه الجولة لفصل الرّبيع, وستكون الجولة هذه المرّة من دون أي متحدّث إسرائيليّ معادٍ للمقاطعة, على ما يتطلّبه طقس “التوازن” في مثل هذه النشاطات عادةً. وفي حين يستميت قادة اتحاد الجامعات والكليّات الأعلون من أجل إنهاء السّجال حول المقاطعة داخل الاتّحاد, فإنّهم محكومون بالفشل ما دام احتلال الأراضي الفلسطينيّة اللّاشرعي مستمراً. وفي هذه الأثناء عمدتْ نقابات أخرى, وابرزها يونيسون () التي تنظّم ما يفوق مليون عامل في القطاع العام, الى المصادقة هذه السنة على قرارات تؤيّد أشكال مقاطعة إسرائيل, بما فيها المقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة. وهذه الخطوة الحاسمة لم تستجب لها وسائل الإعلام البريطانيّة إلّا بتعتيم شاملٍ حتى الآن, لكنّ الخبر ينتشر رويداً رغم ذلك.
ثمّة شعور متزايدٌ داخل اللّجنة بأنّ اللّوبي الصهيونيّ قد بات أخيراً في موقع الدّفاع. ففي لعبة الفأر والقطّ المتواصلة داخل حركة النقابات البريطانيّة, يتّضح أنّ أنصار الحقوق الإنسانيّة الفلسطينيّة لهم اليد الطولى, وأنّ المدافعين عن الأبارتهايد الإسرائيليّ هم الفأر…وإنْ كان فأراً ما يزال قادرًا على الزئير.
المملكة المتّحدة
*محاضِرةٌ في اللّغة الإنكليزيّة في جامعة بيرمنغهام في المملكة المتّحدة. وهي عضو في اللّجنة التنفيذيّة الوطنيّة ل”اتّحاد الجامعات والكليّات” وعضوٌ في “اللّجنة البريطانيّة من أجل الجامعات في فلسطين.”
مجلة الآداب 6/5/4/2008