الإعلام اللبناني في مهب التطبيع

0

مع إسقاطِ معظم الأنظمةِ العربيةِ العداءَ للصهيونية من أولوياتها، وفي ظل تردي الأوضاع الإقتصادية والأمنية والاجتماعية في كثير من بلداننا العربية، ازدادت قوة أنصار التطبيع والمروجين له، ما شجعهم على إعلاء أصواتهم والتصريح بما كانت لا تحمد عقباه شعبيا، ومهنيا، وقانونيا. وعليه، فليس بغريب أداء بعض الإعلام اللبناني، الذي صار يفصح يوما بعد يوم عن سياسة تحريرية قديمة-جديدة تنتعش في أكثر من محطة إعلامية، وتتساوق والسياسات التحريرية في الدول المطبعة.

بإزاء هذا الواقع، وإيمانا منا بحق كل مواطن لبناني بأن يكون مطلعا على ما تُقدِّمُ وسائل الإعلام اللبنانية وبعض الإعلاميين اللبنانيين في الشأن الإسرائيلي، نعرض فيما يلي بعض الأمثلة المريبة عن تناول أكثر من وسيلة إعلامية وإعلامي لبناني لموضوعات حساسة، بكثير من “العفوية” المفتعلة، و”الموضوعية” المنحازة، وكلها تدور في فلك التطبيع مع دولة الاحتلال الاسرائيلي.

في التمهيد للتطبيع والتطبيع الناعم، نعطي مثالا من قناة الLBCI التي خصت افتتاح ميناء حيفا الجديد وميناء إسدود بتقريرين يكادان أن يكونا ترويجيين، مع مقارنة بأحوال مرفأ بيروت الكارثية. ويحق لنا أن نسأل هنا: أليس من واجب المحطة التذكير بأن “إسرائيل” دولة احتلال، وأن جزءا من دمار البنية التحتية في لبنان كان بسبب الاعتداءات الإسرائيلية؟ والأمرُ عينه مع تغطية خبر افتتاح السفارة الإماراتية في الكيان الإسرائيلي، إذ توسلت الLBCI حيادية مستهجنة في تغطية خبر بهذه الخطورة، وتغييب مصلحة لبنان في طريقة صياغة الخبر.

وفي السياق عينه، احتفى نديم قطيش في برنامجه “الليلة مع نديم” على سكاي نيوز ب”إسرائيل” التي تساعد مزارعي لبنان، والمقصود بهذه المساعدة المزعومة هو ما صرح به الناطق باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي عن سماح الكيان الإسرائيلي لمزارعين لبنانيين بقطف محصول الزيتون في أراضيهم. وكان بالحريّ أن يذكِّر قطيش بالاعتداءات والاجتياحات التي اقترفتها “إسرائيل” بحق لبنان بما ينفي مزاعمها بحسن النية، لا أن يثنيَ على تصريحات هدفها تلميع صورة هذا الكيان مثل تصريح أدرعي، أو يلفقَ في الحلقة عينها سردية عن سلمية إسرائيل منذ عام 1975، ومد يدها للبنان وامتناعها عن احتلاله حينئذ رغم سهولة هذا الفعل.

مثال آخر في تمييع العداوة للكيان الإسرائيلي كان إصرار الإعلامي مارسيل غانم في برنامجه “صار الوقت” على قناة MTV على أن ليس جميع اللبنانيين ضد “إسرائيل”، وأن الكلام عن تأييد التطبيع حرية رأي وفيه كسر للتابو، وكأن مخالفة القانون اللبناني في شأن خطير يتصل بعدو لبنان صارت وجهة نظر! وهذا ما دفع المحامي غسان المولى بوكالته عن الإعلاميين حسين مرتضى وخليل نصر الله والأسرى المحرّرين شوقي عواضة وأحمد طالب ونبيه عواضة إلى التقدم بإخبار أمام النيابة العامة العسكرية ضد المذيع مارسيل غانم وقناة MTV.

ولعل في انحطاط الأداء الإعلامي في لبنان، واستفحال التطبيع الإعلامي في كثير من الدول العربية ما سهل لماريا معلوف أن تتباهى بالإطلالة الوقحة على قناة إسرائيلية، تحت شعارات واهية مثل الانفتاح والجرأة وبعد النظر. وتجدر الإشارة إلى أن عددا من الإعلاميين والأسرى المحررين ادعوا على معلوف أمام النيابة العسكرية.

حالة أخرى، هي مشاركة العميد الركن المتقاعد ورئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة د. هشام جابر في برنامج “اسأل أكثر” على قناة روسيا اليوم مع الاسرائيلي إيدي كوهين. هنا نسأل كيف لضابط متقاعد في الجيش اللبناني أن يقبل بهكذا مشاركة؟ وخصوصا أنه ذكر لمقدمة البرنامج أن القانون اللبناني يمنعه من التحدث مباشرة إلى الضيف الإسرائيلي. هل يستغل د. جابر عدم مواكبة قانون مقاطعة “إسرائيل” للمستجدات التطبيعية، كونه صدر في زمان لم يكن فيه هكذا تواصل ممكنا تقنيا؟ ألم يكن يعرف أنه سيكون شاهد زور على ما يقوله الضيف الإسرائيلي؟

أمام هذه الحالات من التطبيع المباشر أو الناعم، تدعو حملة مقاطعة داعمي “إسرائيل” في لبنان إلى وضع ميثاق شرف إعلامي، يتبنى احترام الدستور اللبناني والقوانين المرعية الإجراء، بما فيها قانون مقاطعة “إسرائيل”، وهذا ما يجب أن ينعكس في سياسة التحرير في كافة وسائل الإعلام اللبنانية. وبديهي أن للإعلام شأنا خطيرا في تكوين الوعي لدى جمهور المتلقين، ولذا فإن كسر التطبيع الإعلامي الحاجز النفسي بين المتلقي والعدو يمهد لتقبله بوصفه مخالفا للرأي، لا بوصفه عدوا. وكذلك ، فإن التطبيع الناعم في ميادين الإعلام، والرياضة، والفن، والأدب، والأكاديميا يمهد لتطبيع مباشر مع عدو سيكون هو الرابح الأكبر ولا شك. وكم كان الشهيد غسان كنفاني متبصرا في قوله:

“إنّ الجلوس مع العدوّ، حتى في أستوديو تلفزيونيّ، هو خطأٌ أساسيٌّ في المعركة. وكذلك فإنّه من الخطأ اعتبارُ هذه المسألة مسألةً شكليّة”.

بناء على ما تقدم، تكرر الحملة دعوتها الأحزاب اللبنانية وممثليها في المجلس النيابي ومجلس الوزراء إلى العمل على تحديث قانون مقاطعة “إسرائيل”، بما يلحظ أشكال التطبيع المستجدة مثل التطبيع الإلكتروني، والتطبيع الإعلامي، والتطبيع الأكاديمي عن بعد، والتطبيع عبر دول مطبعة، وكذلك التطبيع غير المباشر بتبني وجهة نظر العدو والترويج لها.

 

حملة مقاطعة داعمي “إسرائيل في لبنان

بيروت، في 17 كانون الأول-ديسمبر ٢٠٢١

آخر الأخبار