ZT Charity - шаблон joomla Форекс

fb twitter insta

حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل": ردًّا على مغالطات زياد دويري

تصويبًا للمغالطات التي أدلى بها المُخرجُ السينمائيّ زياد دويري في مقابلاته منذ قرار وزير الداخليّة اللبنانيّ منْعَ فيلمه "الصدمة" من العرض في صالات السينما اللبنانيّة، يهمّ حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل" في  لبنان أن تدلي بملاحظات إيضاحيّة.

وهذه الملاحظات هي من قبيل تأكيد الحملة لبيانها الصادر في 16 شباط (فبراير) من هذا العام [1] لجهة اتّهام دويري بالتطبيع مع الإسرائيليين الذين ارتكبوا جرائمَ حرب في فلسطين ولبنان، ويمارسون القمعَ والفصلَ العنصريّ في فلسطين. 

أولًا ـ الفيلم لم يُمنعْ بسبب إشراك "ممثّلين يهود" على ما زعمالمُخرج[2]، وإنّما للأسباب الآتية:

 أ) إشراكُ ممثّلين إسرائيليين (وتعميةُ الفارق بين "اليهود" و"الإسرائيليين" متعمّدةٌ لدى دويري).

 ب) إشراكُ طاقم فنيّ إسرائيليّ.

 ج) دخولُ المخْرج إلى الكيان الصهيونيّ وتصويرُه مقاطعَ من فيلمه هناكعلى امتداد 11 شهرًا.

كلّ ذلك قاله دويري في مقابلة أجرتها معه جريدةُ"الحياة"[3]. وبحسب مقابلةٍ أخرى أجرتْها معه جريدةُ تايمز أوف إزرايل الإسرائيليّة[4]، فإنّ الفيلم ثمرةُ "تعاون سينمائيّ فريد بين الإسرائيليين والفلسطينيين واللبنانيين". إنّ الجريدة الإسرائيليّة نفسَها تعْلم أنّ دويري "خرق قانونًا لبنانيًّا صدر عام 1955 يحظّر التعاونَ مع المؤسّسات الإسرائيليّة داخل إسرائيل أو خارجها". ودويري نفسُه يعْلم أنّه خرق القانونَ اللبنانيّ حين وافق على الاتصال بالجريدة المذكورة لأنّ ذلك الاتصال في رأيه قد "يدمّر الإنجازَ" المتمثّل في سماح السلطات اللبنانيّة (قبل مدّة) بإجازة فيلمه"لأنها قد تزعم أنّ زياد متفق مع الإسرائيليين"![5] ومع ذلك، فإنّ دويري لم يعتذرْ عن خرقه المتعمّد للقانون اللبنانيّ ولمعايير مقاطعة إسرائيل، وعن إهانته لمشاعر الناس الوطنيّة والقوميّة، بل أعلن في تلك الجريدة، وفي أماكن أخرى، عن مشاركته في مهرجان القدس السينمائيّ في تمّوز (يوليو) القادم!

الجدير ذكرُه أنّ مئات الفنّانين والمثّقفين العالميين يقاطعون أيّ نشاطٍ داخل الكيان الصهيونيّ؛ وأنّ داستنهوفمانوميغ رايان تحديدًا لم يشاركا في مهرجان القدس الإسرائيليّ في حزيران 2010 على خلفيّة مجزرة أسطول الحريّة[6].

ونودّ أن نذكّر بأنّ قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955 ينصّ على أنّ "امتلاك أو المساهمة في مؤسّسات أو أعمال إسرائيليّة داخل إسرائيل أو خارجها" يُعتبر من الأمور المخالفة التي تجب مقاطعتُها[7]. ولقد عاش دويري في تل أبيب "سنةً" (أو 11 شهرًا)علىما يؤكّد في مقابلته مع جريدة "الحياة"، فهل إقامتُه هناك لم تشملْأيَّ تعامل ماديّ أوتجاريّ مع الإسرائيليين؟ وهل اقتصر تعاملُه هناك على الممثّلين والفنّيين الإسرائيليين في فيلمه، الذين يزعم أنّهم "يساريون مؤيّدون للقضيّة الفلسطينيّة" كما سيأتي بعد قليل؟[8] وهل إسرائيل، بأسْرها، كيانٌ مثاليّ، حيث البقّالُ ومالكُ الشقّة وصاحبُ الفندق وسائقُ التاكسي وصاحبُ المطعم وصاحبُ محطّة الوقود... يساريّون مؤيّدون للقضيّة الفلسطينيّة؟

ثانيًا ـ يزعم دويري، في مقابلته مع البي. بي. سي[9]، أنّ مشاهدة الفيلم هي التي تقرّر إنْ كان يَخدم التطبيعَ (كي يستوجبَ المنعَ الرسميّ اللبنانيّ) أم لا. حقيقة الأمر أنّمبدأ المقاطعة هو الأساس، لا مضمونَ الفيلم (أو تاريخَ المُخرج ومواقفَه). فحتى لو نادىهذا الفيلمُ أو أيّ فيلمٍ بتحرير كامل فلسطين، ولكنّ وسيلته إلى ذلك تمّت عبر توظيف ممثّلين وفنّيين إسرائيليين، وعبر خرقِ معايير"الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الثقافيّة والأكاديميّة لإسرائيل"، وخرقِ القانون اللبنانيّ لمقاطعة إسرائيل، فذلك لا يشكّل "خدمةً" فعليّةً لهدف التحرير كما قد يتوهّم دويري أو غيرُه. إنّ الاجتهادات الشخصيّةتُفسد هدفَ التحرير (إنْ آمن به المُخرجُ أصلًا) حين تتعارضُ مع قرارات الإجماع الشعبيّ والرسميّ العامّ.

ومع ذلك فإنّ بعضَ مَن شاهدوا الفيلم فعلًا لم يروْا أنّه "يخْدم" القضيّة الفلسطينيّة. فالناقد بيار أبي صعب جزم بأنه يساوي بين الجلّاد والضحية[10]؛ والناقد إميل شاهين لم يؤيّدْ ترشيحَه للأوسكار[11]. لقد زعم دويري أنّ شاهين "قد حاكم الفيلمَ سياسيًّا لا فنيًّا"، ولكنْ كيف يحاكَم العملُ الفنيُّ "فنيًّا" فقط إذا كان يعالج مسألةً ساخنةً كالصراع العربيّ ـ الصهيونيّ؟ وإذا كان "الفنّ" هو هاجسَ دويري الأوحدَ أو الأبرزَ، فلماذا حرص على إنتاج فيلمٍ سياسيٍّ في الصميم؟ ولماذا إصرارُه على تغليب "الفنّ" على مشاعر الناس ومعاييرِ الغالبيّةِ العظمى من ناشطي المجتمع الفلسطينيّ؟

ثم إنّ دويري نفسه لا يزعم دائمًا أنّ الفيلم "مؤيّدٌ" للقضيّة الفلسطينيّة. يقول لقناة أو. تي. في. اللبنانيّة: "هيْدا الفيلم ضدّ إسرائيل"[12]. لكنّه في حديثه (ونكرّر أنّه مخالف للقانون اللبنانيّ) إلى تايمز أوف إزرايلالإسرائيليّة يقول: "الفيلم لا يَتّخذ الجانبَ الإسرائيليّ ولا الجانبَ الفلسطينيّ، لكنّ مسحاتِه الباطنة (الأنْدِرْتونْز) تميل إلى الفلسطينيين"[13]. ويقول في لقاءٍ صحفيّ في كولكووا (لوس آنجيليس) إنّ العرب سحبوا تمويلَهم لأنّ الفيلم "بيّن المنظوريْن...لقد عشتُ مع الشعارات طوالَ حياتي في لبنان، وكان عليّ [في الفيلم] أن أبيّن أنّ لكلّ طرفٍ وجهةَ نظر". ويضيف: "كنتُ أخاف كثيرًا من الإسرائيليين. اليوم، زالت هذه الأسطورة. إنّني أتعامل معهم كأنداد... والوضع سيّء على الطرفين!"[14] من الواضح أنّ ثمّة فارقًا بين "تأييد" القضيّة من جهة، و"تبيين المنظوريْن" و"ووجهتي النظر" من جهةٍ ثانية، والميْلِ "بالأندِرْتونز" فقط إلى الفلسطينيين من جهةٍ ثالثة، والتعاملِ مع الإسرائيليين "كأنداد" من جهةٍ رابعة. وبالمناسبة، يا سيّد دويري، ما هي "وجهةُ النظر" الإسرائيليّة في تبرير الاحتلال والعنصريّة والمجازر والاستيطان ومنع حق العودة وتدمير لبنان والاعتداءِ على سوريا ومصر والأردن والعراق وتونس؟

ثالثًا ـ يزعم دويري أنّ خدمة القضيّة تكون بمعرفة "وجهة نظر الآخر". حسنًا! غير أنّ الكيان الإسرائيليّ ليس مجرّدَ آخر، بل محتلّ وعنصريّ ومجرم و..(إلى آخر صفات اللغة الخشبيّة التي يمقتها دويري وسائرُ مَن يسمّيهم "الفنّانين الحسّاسين الشفّافيّين"ـ بتضعيف الياء ثلاثَ مرات)[15]. وقد حدّد المجتمعُ المدنيُّ الفلسطينيُّ أسلوبَ المواجهة الثقافيّة العربيّة والعالميّة مع هذا العدوّ بمقاطعته، ورفضِ التطبيع معه، وسحبِ الاستثماراتِ منه، وفرضِ العقوبات عليه. وجاء في نداءٍ أصدرتْه "الحملةُ الفلسطينيّة للمقاطعة الثقافيّة والأكاديميّة لإسرائيل"، في 15/7/2010، العباراتُ الآتيةُ تحديدًا:

"إننا نحترم ونقدّر بعمقٍ المواقفَ والمبادئَ المناهضةَ للتطبيع، التي تتبنّاها الاتحاداتُ في الوطن العربيّ، والتي ترفض بشكلٍ مبدئيّ أن يزورَ الإخوةُ والأخواتُ العربُ فلسطينَ بإذنٍ من المحتلّ... نرفض تنظيمَ أيّة أنشطةٍ مشتركة، مباشرةً أو غير مباشرة، مع أيّ طرفٍ إسرائيليّ تحت أيّ ذريعة، وبغضّ النظر عن الطرف المنظِّم لهذه الأنشطة... نرفض استقبالَ أيّ أكاديميّ أو فنّانٍ أو مثقفٍ عربيّ من المؤسّسات الأكاديميّة والثقافيّة الفلسطينيّة بعد زيارة أو إقامة علاقاتٍ مع أطراف إسرائيليّة"[16].

رابعًا ـ يزعم دويري أنّ الناحية الفنيّة هي التي أمْلت عليه تصويرَ مقاطع من فيلمه في تل أبيب، وفَرضتْ عليه اختيارَ ممثّلةٍ إسرائيليّةٍ لأداء دور "الانتحاريّة" الفلسطينيّة التي تفجّر نفسَها فتقتلُ أطفالًا إسرائيليين. ويؤكّد أنْ لا مدينة تشبه تل أبيب،وأنْ لا ممثّلة فلسطينيّة قبلتْ أن تمثّلَ في فيلمه بحجّة "وجودِ مشهدِ تعرٍّ"[17]. لا نريد أن نجادلَالمُخرجَ في خياراته الفنيّة، لكنّنا نعتقد أنّه كان في مقدوره أن يوفّق بين هذه الخيارات من جهة، وبين مشاعر الناس والقانونِ اللبنانيّ لعام 1955 ومعاييرِ المقاطعة (المتعاظمة عالميًّا) من جهةٍ ثانية. فكيف "يَخدم القضيّةَ" فيلمٌ إذا كان موضعَ تشكيكِ أصحابها أنفسِهم؟! وإذا كان دويري يستخفُّ بكلّ تلك المشاعر والمعايير والقوانين والحملات العالميّة، فلماذا يستفظع أن يواجَهَ بالاعتراض والاستياء والمقاطعة؟

ثم إنّ دويري اختار أن يغيّر في تفاصيل الرواية التي استند إليها في سيناريو الفيلم: فقدأبقى البطلَ حيًّا(رغم غضب صاحبِ الرواية الجزائريّ)؛ كما غيّر طائفةَ الممثّلة "الانتحاريّة" من مسلمةٍ إلى مسيحيّة لكي يقول "إنّ القضيّة الفلسطينيّة ليست مسألةَ دين بل مسألةٌ قوميّة"[18]. لقد غيّر دويري النصّ الأصليّ لخدمة فيلمه، إذن؛ فلماذا لم يفكّرْ في تغييراتٍ أخرى تُطاول الممثّلات والديكورَ والمكانَ والطاقمَ الفنيّ، لخدمة مجتمعه ومعاييرِ المقاطعة؟ أمْ أنّ "الفنّ" أهمُّ من الناس؟

 وهل حاول دويري البحثَ عن ممثّلين فلسطينيين يتْقنون العبريّة، وهم كثر؟ أوَلمْ يشاركْ في إخراج مسلسلٍ تلفزيونيّ أميركيّ يؤدّي فيه إسرائيليٌّ دورَ العربيّ الإرهابيّ[19]؟ وهل الممثّلاتالإسرائيليّات وحدهنّ في العالم يقْبلن التعرّي؟وهلالممثّلة الإسرائيليّة، دون سائر خلق الله، هي أفضلُ مَن يؤدّيدورَ "الانتحاريّة" الفلسطينيّة؟ وهل على مخرجي أفلام الخيال العلميّ على سطح القمر، مثلًا، أن يسافروا إلى القمر؟ أمْ أنّ هذه الأسئلة جميعَها أسئلةٌ تطعن في قدسيّة الفنّ الدويريّ؟

خامسًا ـ  يجزم دويري أنّ الممثلين والفنّيين الإسرائيليين الذين شاركوا في فيلمه "يساريّون إلى جانب القضيّة الفلسطينيّة، ومخطئٌ مَن يعتقد أنّ جميع الإسرائيليين يؤيّدون التوطين [يقصد الاستيطان]"[20]. شكرًا للمعلومة "الجديدة" الأخيرة، ولكنّ المسألة يا سيّد دويري ليست عقائدَ الإسرائيليين المشاركين في فيلمك (ولو كانت "يساريّةً") بل مبدأ الذهاب للتصوير في كيانٍ غاصب، وتحديدًا في بلدةٍ هُجّر أهلُها منها بالتطهير العرقيّ عام 1949.

 ثم مَن قال إنّه يكفي أن يكون إلإسرائيليُّ "يساريًّا وضدّ التوطين [الاستيطان]" كي يصبحَ "مؤيّدًا للقضيّة الفلسطينيّة"، فتَسقطَ عنه دعوتُنا إلى مقاطعته؟ لو عاد دويْري إلى أسس المقاطعة (وكان من واجبه أن يفعلَ ذلك قبل الذهاب إلى تل أبيب) لاكتشفَ أنّ مبادئَ حملة المقاطعة العالميّة ثلاثة: رفضُ الاحتلال في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، ورفضُ التمييز العنصريّ داخل فلسطين 48، والموافقةُ على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وأراضيهم في كلّ رقعةٍ من فلسطين التاريخيّة. فهل طلب دويري إلىالإسرائيليين "اليساريين" الذين تعامل معهمأن يَجْهروا، علنًا، وفردًا فردًا، بتأييد عودة كلّ لاجئ فلسطينيّ إلى بيته في حيفا ويافا واللد والقدس مثلًا... علمًا أنّه حتى لو فعل ذلك لما برئ من خرقه قانونَ المقاطعة اللبنانيّ على الأقلّ؟!

سادسًاـ  ينعى دويري على الدولة اللبنانيّة أنها خذلتْه بعدم ترشيح فيلمه للأوسكار. نعم، إنّ لجنة الأفلام في وزارة الثقافة اللبنانيّة رفضتْ ترشيحَه[21]. ولماذا لا تخذلكَ وترفض فيلمك يا دويري؟ لقد خرقتَ القانونَ اللبنانيّ بدخولك دولةً عدوّةً؛ وأنت تعْلمُ أنّك خرقتَه وإلّا لما دخلتَها بجواز سفرك الأميركيّ. ثم إنّ طاقمَك الفنّيّ إسرائيليّ؛ وممثّليك بينهم إسرائيليون. فكيف تروّجُ الدولةُ اللبنانيّةُ، أيًّا كانت كراهيّتنا لطبقتها السياسيّة الحاكمة،فيلمًا ليس "لبنانيًّا" فيه... إلّا أنتَ وزوجُك؟

سابعًاــ  يتّكئ دويري، في معرض إدانته للقرار الرسميّ اللبنانيّ، إلى إعجاب "العالم" بهذا الفيلم، بدليل عرضِه في 19 مهرجانًا وحصدِه عددًا من الجوائز[22]. لكنّ الجوائز "الدوليّة" لا تلغي تهمةَ التطبيع التي أُلحقتْ بدويري عن جدارةٍ واستحقاق؛ بل إنّ نيلَ الحفاوة "الدوليّة" (إقرأْ: الغربيّة) قد تبعث على الشكّ العربيّ، لا التهليل، لأنّ القضيّة الفلسطينيّة (كما كان دويري يردّد على الأرجح زمنَ الشعارات الخشبيّة وقبل أن يكتشف "وجهة النظر" الإسرائيليّة) ضحيّةٌ تاريخيّةٌ لمؤامراتٍ دوليّةٍ على مستوياتٍ شتّى. ويزداد شكُّنا حين يقول في غير مكان إنّ عددًا من المموّلين العرب سحبوا تمويلَهم للفيلم بسبب خشيتهم من أن يُتّهموا بالتطبيع، ومن بينهم: دولةُ قطر التي "مَنعتْ عرضَ الفيلم في مهرجان الدوحة (تربيكا)" على الرغم من أنّها كانت الطرفَ الرئيسَ في إنتاجه وتمويله[23]. وفي مؤتمر صحافيّ عقده المُخرج غيرُ الخشبيّ في كولكووا أضاف إلى القطريين "امرأةً مصريّةً" (؟) سحبتْ تمويلَها هي أيضًا، وكذلك "عربًا آخرين"، محدِّدًا الأردنَ ودبي. والسبب ـ على ما يقول متبجّحًا ـ أنّه "بيّن المنظوريْن [الإسرائيليّ والفلسطينيّ]". وهو يقول صراحةً إنّه يتمسّكُ بعرض فيلمه في لبنان لأنّ العالم العربيّ "كلّه" قد رفضه[24]. بمعنًى آخر، زياد دويري يريد من لبنان، وهو البلدُ الذي قاوم وما يزال يقاوم إسرائيل، أن يوافق على ما رفضه العالمُ العربيُّ "كلّه"، بما في ذلك الدولُ المطبّعةُ مع العدوّ!

ثامنًاـ لم يكتفِدويري بتجاهل مشاعر العرب والقانونِ اللبنانيّ ومعاييرِ المقاطعة حين أخرج فيلمَه، بل راح في مقابلاته اللاحقة، وفي معرض أدائه البائس لدور الضحيّة، يهزأ بالعرب الذين يدّعي خدمتَهم. فإذا اللبنانيون لا يصدّرون إلى العالم سوى "الحمّص والفلافل" (ومن هنا ضرورةُ أن تُرشّح وزارةُ الثقافة اللبنانيّة، في رأيه المتواضع، فيلمَه للأوسكار)[25]. وإذا "التعلّقُ بالقضيّة الفلسطينيّة" عند العرب "أمرٌ مقدّسٌ غيرُ قابل للجدال"[26]. وإذا أنصارُ المقاطعة "متطرّفون" و"متخلّفون" و"مبتذلون" و"مزايدون"[27]و"خشبيّون" و"أصحابُ شعارات"[28] (هي، على ما يبدو، الشعاراتُ عينُها التي عاش معها دويري "كلَّ حياته في لبنان" قبل أن يقرّرَ أنّ للإسرائيليّ المجرم "وجهةَ نظر"). المفارقة أنّ مَن يزعم حرصَه البالغَ على "خدمة فلسطين" و"سمعة لبنان" لا يكفّ منذ منع فيلمه عن تشويه صورةِ أنصارِ فلسطين والمقاطعة في لبنان والوطن العربيّ.

على دويري أن يعلم، في هذا الصدد، أنّ الوطن العربيّ ليس فريدًا في منع الأفلام حين تتعارضُ مع القوانين، أو حين تتعرّض للاحتجاجات الشعبيّة أو اعتراضات النّخَب المحليّة. فإدارةُ مهرجان نيويورك للسينما، مثلًا، منعتْ عرضَ فيلم "إسكندريّة نيويورك" للمخرج يوسف شاهين من دون ذكر الأسباب (علمًا أنّ الفيلم ينتقد السياساتِ الأميركيّةَ تجاه العرب)[29]. وفي العام 2010، رفضتْ صالاتُ السينما الفرنسيّة عرضَ الفيلم الإسرائيليّ "على بُعد 5 ساعات من باريس" بسبب مجزرة أسطول الحريّة التي ارتكبتْها إسرائيل[30]. وفي العام التالي أوقفت السلطاتُ الألمانيّة عرضَ الفيلم التركيّ "وادي الذئاب فلسطين" بتهمة معاداته للساميّة، لكونه يتناول المجزرة الإسرائيليّة عينها[31].

إنّ دويري يعيش في الغرب منذ سنواتٍ طويلة، وهو يعْلم أنّ المنع ليس من خصائص العرب الاستثنائيّة، وأنّ المُخرج هناك قد يلاحَق بدعاوى قانونيّة وفق قوانين "محاكمة الإرهاب" أو "معاداة الساميّة". وهذا لا يعني أنّنا نؤيّد الرقابة على الأعمال الفنيّة؛ على العكس، نحن ضدّها، وبشراسةٍ أيضًا، إلّا في ما خصّ أيّ عمل فنيّ يُسهم في الدعاية للعدوّ الإسرائيليّ أو التطبيع معه.

تاسعًا ـ يحاول دويري، عبر شاشة أو. تي. في، امتصاصَ غضب جمهور المقاومة بالزعم أنّ حزب الله موافقٌ على الفيلم[32]. غير أنّ الشيخ علي ضاهر،مسؤولَ الأنشطة الإعلاميّة في الحزب المذكور، قال إنّ "هذا الكلام لا أساسَ له وغيرُ دقيق، ولم تتمّ مراجعةُ الحزب في هذا الموضوع، وهذا الأمرُ بالنسبة لحزب الله خطّ أحمر، وزياد دويري طبّع مع العدوّ، وحزبُ الله لا يقبل التطبيع"[33]. وفي كلّ الأحوال، فإنّ رفضَ التطبيع ليس حكرًا على حزب الله، الذي نقدّر موقفَ مسؤول أنشطته الإعلاميّة أشدَّ التقدير، بل يطاول ملايينَ الأحرار العرب وغير العرب من مختلف المشارب السياسيّة والعقائديّة.

عاشرًا ـ يقول دويري إنّ لبنان "عرض عدّة أفلام في لبنان سبق أن صُوّرتْ في إسرائيل وبتمويل إسرائيليّ وبممثّلين إسرائيليين". الردّ الطبيعيّ على كلام دويري هو القول إنّ هناك فارقًا بين فلسطينيّ يعيش في حدود فلسطين 48 (ما يسمّى "دولة إسرائيل") ويَخضعُ لقوانين الدولة الغاصبة كأيّ سجينٍ داخل سجنٍ كبير، وبين لبنانيّ يَخْرقُ قانونَ بلاده ومعاييرَ المقاطعة ويذهب (بقدميْه) إلى دولة الاغتصاب الصهيونيّ فيقضي فيها سنةً كاملةً )أو 11 شهرًا) ويدفع للإسرائيليين وللمجتمع الإسرائيلي "اليساريّ" أجورًا وأموالًا طوال هذه الفترة!

***

لقد انتهك زياد دويري القوانينَ والمعايير كافّةً، فلا ينبغي أن "يتمسكن" ويؤدّي دورَ الضحيّة، أو ينصّبَ نفسه معلّمًا للفنّ أمام جمهور المتخلّفين المبتذلين من أنصار فلسطين والمقاطعة واللغة الخشبيّة. وأنْ تنفضَّ عنه الدولةُ اللبنانيّة، والجامعةُ العربيّة، وناشطو فلسطين والمقاطعة، لهو أمرٌ مفهومٌ ومطلوبٌ. نأمل أن يتّعظ كلُّ فنّانينا في المستقبل من تجربة مخرجٍ موهوبٍ استخفّ بناسه وبلدِه، فحصد الجوائزَ "الدوليّة"...وخيبةَ قسمٍ كبيرٍ من مجتمعه.

بيروت في 5 تشرين الأول 2013

حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل" في لبنان


[5]المصدر السابق.

[28]المصدر السابق.

تواصل مع الحملة

للتواصل معنا

عنوان: بيروت - لبنان

عبر الهاتف: T: +961 1 858355 | M: +961 3 434643

عبر الايميل: info@boycottcampaign.com

 

fb twitter insta