ZT Charity - шаблон joomla Форекс

fb twitter insta

زيارات المثقفين لفلسطين.. تطبيع أم كسرعزلة؟

ليلاس سويدانزيارات المثقفين لفلسطين.. تطبيع أم كسرعزلة؟

أعادت زيارة الروائيين العرب لرام الله لحضور ملتقى فلسطين الأول للرواية، فتح باب النقاش مرة أخرى عن مفهوم التطبيع وزيارة فلسطين، فالبعض استاء جدا من الزيارة واعتبرها «خيانة» لفكرة مقاطعة اسرائيل، حتى لو تم تمويهها- كما قيل- بشعار كسر العزلة الثقافية، بينما البعض الآخر رأى وجوب «زيارة السجين» ودعم وجوده ونقل الواقع الذي لا تنقله نشرات الأخبار إلى الخارج. وبين مؤيد ورافض وتبادل اتهامات نتساءل: هل نحن بحاجة لإعادة تعريف معنى التطبيع، وهل زيارات المثقفين يمكن أن تكون فعلا أداة لكسر العزلة، في ظل وضع سياسي عربي وفلسطيني لم يفلح المثقف العربي في طرح حلول له، فكيف بقضية عمرها 69 عاما؟. أم أن الفلسطينيين الذي يدعون العرب لزيارتهم والتواصل معهم أدرى فعلا بأن لا أحد غير المثقف قادر على إحياء القضية الفلسطينية، التي بدأت تغيب بعد كل ماجرى في المنطقة من أحداث سياسية أعادت ترتيب أولويات الحكومات والشعوب؟

نشمي المهنا- الشاعر الكويتي- الذي زار رام الله العام الماضي ضمن الوفد الكويتي لمعرض فلسطين للكتاب، قال:
في مثل هذا الوقت، قبل عام، شاركت ضمن وفد ثقافي كويتي في زيارة لفلسطين (رام الله)، وكانت مشاركاتنا في معرض الكتاب العربي المقام آنذاك بأمسيات شعرية ومحاضرات وندوات وزيارات إلى المؤسسات الثقافية والعلمية والأكاديمية، سواء الخاصة أو التابعة للسلطة الفلسطينية، ولاقت تلك الزيارة كل الترحاب من اخواننا الفلسطينيين، الزيارة كانت للقاء شعب شقيق وللتعرف عن قرب على كتّابه وشعرائه وأدبائه، لم تحمل صفة «السياسة»، ولم تُنظّم تحت أعلام المحتل.
ما أثير حولها وحول الزيارات الشبيهة ما هو إلا «عنتريات» وادعاء بطولات وهمية، كانت السبب وراء كل خسارات لحقت بالقضية الفلسطينية منذ ما يقارب الـ70 عاماً.
تركت تلك الزيارة أثراً لا يمحى في ذاكرتنا، بتفاصيلها المدهشة ونحن ندخل الأحياء القديمة والأسواق، و«نطبّع» علاقاتنا بناسها وإنسانها الصامد، الفلسطيني المتلهف إلى أن يكسر أشقاؤه السور الذي يحاصره بزيارة. عن قناعة شخصية عميقة أتمنى زيارة فلسطين مرة أخرى وأخرى، ولم «أشبع» منها بعد.
وليقل «العنتريون» ما يقولون! هم ليسوا «الحكَم»، الحكَم والمعني هو الفلسطيني المحاصر هناك.

ابراهيم فرغلي- الروائي المصري- الذي شارك في ملتقى الرواية وذهب إلى رام الله قال:
بداية أحب القول او التأكيد انني على يقين تام بأن لا أحد من ضيوف مؤتمر الرواية العربية الأول في فلسطين، قد يكون حتى ميالا للتطبيع مع الكيان الصهيوني. بل حتى الفكرة يبدو لي طرحها مدهشا، ولا اريد أن أزيد في تسفيه الوصف، لأنني في النهاية أيضا أؤمن في حسن نوايا الطرفين.
تاليا هذه الزيارة تأتي في إطار مرحلة جديدة ومختلفة في الصراع العربي الإسرائيلي: مرحلة تتسم بوقائع على الأرض، وحدود، وصراع على هوية المكان، وعمل منتظم ومنظم، للأسف، من قبل الصهاينة مقابل تشرذم وتفتت من قبل الطرف العربي، وليس الفلسطيني فقط، وهي معطيات سيكون من الاستخفاف بالعقل تجاهلها في تفهم الأوضاع الفلسطينية اليوم.
الأمر الأهم من هذا كله في تقديري، وهو ما انتبهت إليه منذ وقت طويل، وتحديدا بعد مشاهدة فيلم «باب الشمس» ليسري نصر الله عن رواية إلياس خوري، أن عزلة الفلسطينيين، حولت الصراع إلى مجرد مجموعات من مانشتات الصحف، وصور العنف، والمخيمات، والمقولات الكلاشيهية، التي اخفت وطمست، للأسف، ملامح البشر الحقيقيين الذين يعيشون حياتهم اليومية، رغم كل ذلك، في وطن يخشون كل يوم ان يستلب منهم بالكامل، ويواجهون الاحتلال والعنصرية والتعنت والتعسف والتضييق على مصادر العيش والرزق يوما بيوم.
وهذه الزيارة مثلت، في تقديري، اول فرصة حقيقية لرؤية الأمر على حقيقته، رؤي العين: المعاناة، والمكابدة، والأمل أيضا، الابتسامات الحزينة، والعيون الشاردة، الآمال والضحكات المسروقة، والقوة المعنوية المتراكمة طبقات في نفس الفلسطيني الذي يتمنى فقط ان يهنأ في بلاده الجميلة براحة البال.
وتقديري ان الكلاشيه الخاص بالتطبيع في الحقيقة، يأتي أو يدور في إطار بعيد تماما، لأنه إما يعبر عن موقف البعض من السلطة الفلسطينية نفسها، أو يعبر عن فهم قديم لفكرة المقاطعة الشاملة للكيان الصهيوني في مرحلة الحرب، بالمعنى القتالي العسكري، والتي انتهت الآن، أيا كان رأي المراقبين. أو ينطلق من خصوصيات فلسطينية لها علاقة بالتكوين الاجتماعي والطبقي والطائفي للشعب الفلسطيني، وهذا لا يعنيني هنا، ولا يخصني في زيارة تعتبر لعموم الشعب الفلسطيني بكل فئاته وطبقاته، وبهويته الحقيقية التي يمثلها شعب يعيش في الداخل واجه وقاوم وتعايش مع ما لا يستطيع غيره أن يحتمل.
وباسم هؤلاء قبلت الدعوة، ورأيت ان دوري ان انقل صورتهم، بعد أن أتعرف عليها شخصيا، وأن أشعر بالامتنان لقبولهم لوجودي بينهم، وسعادتهم بوجودي معهم مشاهدا ومعاينا ليومياتهم: فرحا وحزنا أو ألما او معاناة، ولو لأيام قليلة. وثقتهم بأنني سأعبر عنهم شهادة أو فنا أو أدبا، كما سأتفاعل مع إنتاجهم الأدبي والفكري والفني الذي يجسد جانبا رئيسا في صراع الهويات على الأرض اليوم، وفي هذا كله ما أظنه أهم كثيرا من الاستكانة بجوار الجدران خوفا من شبح تهمة التطبيع الباطلة، لأن الأمر هنا لا توجد به شبهة تعامل مع الكيان الصهيوني على أي مستوى، باستثناء العبور من المعابر التي يسيطرون عليها بوصفهم دولة احتلال، وما يسري على الفلسطينيين عنوان القضية وموضوعها وسبب الزيارة ينبغي أن يسري علينا جميعا. وهذا فهمي للأمر.

سامح خضر- الروائي الفلسطيني ومدير متحف محمود درويش- تحدث عن الشروط والمعايير التي تتبعها المؤسسات الفلسطينية في زيارات المثقفين العرب، والتي تمنع اسرائيل من الالتفاف حول فكرة المقاطعة:
يدور لغط كثير في الآونة الأخيرة كلما زار مثقف أو فنان عربي الأراضي الفلسطينية المحتلة، وينبري العديد من أبناء الوطن العربي، على مختلف توجهاتهم، لوصم الزوار العرب بمختلف النعوت والأوصاف إلى حد وصل بالبعض لاتهام هؤلاء الضيوف بالمطبعين مع العدو الصهيوني.
وفي إطار تنظيم موضوع الزيارات العربية إلى الأراضي المحتلة، وحتى لا يكون مفهوم التطبيع مطاطاً ويخضع لمعايير غير ثابتة وواضحة، فإن العديد من المؤسسات العربية وضعت بعض المعايير التي يجب على المؤسسات الفلسطينية والعربية والمبدعين العرب، كل في مجاله، الالتزام بها لتحصين مكانة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، والوقوف ضد محاولات إسرائيل الالتفاف على حملات المقاطعة التي تنتشر حالياً في أكثر من بلد عربي. أبرز هنا بعض شروط الزيارات العربية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة التي نلتزم بها في متحف محمود درويش، وهي ضرورة دخول الضيف بتصريح زيارة صادر دون ختم على جوازات سفر الضيوف عن سلطات الاحتلال، لا عن طريق فيزا توضع كختم في جواز السفر، وأن يكون الدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عن طريق الحدود الفلسطينية- الأردنية، لا عن طريق مطارات إسرائيل، بالإضافة إلى ألا يكون النشاط المنْوي دعوة الضيف إليه بالتعاون أو بالشراكة أو برعاية أي مؤسسة إسرائيلية. وقد حاول بعض المثقفين العرب تنظيم لقاءات لهم في الأراضي الفلسطينية بعد دخولهم- نتحفظ على أسمائهم وطبيعة النشاطات التي وجدوا فيها- إلا أننا رفضنا رفضاً قاطعاً أن نسمح لأنفسنا أن نكون أدوات تنظيف لهؤلاء. لقد كان الموقف العربي على مدار السنوات الماضية منذ النكبة في العام 1948 حتى يومنا هذا ثابتا وغير قابل للتطوير، رغم أن السياسة هي علم قائم على المتغيرات وبحاجة دائمة لتطوير الخطاب الإعلامي، في ظل سهولة الوصول إلى المعلومات بأكثر من طريقة.
إن ما يفرضه الواقع الجيوسياسي الذي يعيشه الفلسطينيون اليوم، هو حاجة الفلسطينيين إلى المزيد من الانفتاح على محيطهم العربي، ومنح الفرصة لأجيال من الفلسطينيين للاطلاع على التجارب العربية في شتى المجالات. أما موضوع «زيارة السجين» فهو مصطلح يثير الضحك اليوم أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً حين تشارك أكثر من دولة عربية في جعل الفلسطيني «سجين» عبر منعه من دخولها وتشديد إجراءات الحصول على تأشيرة دخول لأسباب عفى عليها الزمن. لا نريد أن نكون سجناء عند إسرائيل ولا عند الدول العربية.

د. سماح إدريس- رئيس تحرير مجلة الآداب وعضو مؤسس في حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان- قال إن مهمة المثقفين الحقيقيين هي كسر السجن، لا زيارةُ السجين ورفض بشدة زيارتهم لفلسطين تحت أي مبرر:
المؤتمرات العربية التي تتم برعاية السلطة الفلسطينية وإداراتها لا تكسر عزلة الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال بقدر ما تعطي شرعية «ثقافية» عربية للسلطة التي تنسق أمنيا مع الاحتلال! كسر العزلة لا يكون بشرعنة التعامل مع الاحتلال. هذه السلطة، للأسف، لا تتورّع عن استخدام كل مؤتمر ثقافي او كل «وسام» تعلّقه على صدر فنان عربي، أو كل «جواز سفر» تمنحه أيَّ مثقف عربي، لكي تبيّض صفحتها بالتعامل مع العدو. ألم تلاحظوا، أصلاً، أنّ غالبية المعلّقين على مؤتمر الرواية في رام الله ركّزوا على موضوع «كسر العزلة» بدل موضوع الرواية؟ ألا يثبت ذلك أن آخر همّ أغلب المسؤولين هو الرواية والأدب والثقافة، وأن همّهم الأول والأخير هو تعويم السلطة عبر المثقفين؟!
وبالمناسبة، كفى ترويجًا لخدعة «التفريق» بين الفيزا الإسرائيلية والتصريح من الاحتلال. السلطة لا سيادة لها على أيّ شيء لكي تسمح لمثقف عربي أو لغيره بدخول أراضيها إلا بموافقة الاحتلال. فأين كسرُ الحصار؟
تريدون كسر الحصار؟ هناك طريق واحد: مقاطعة «إسرائيل» ثقافياً وفنياً وأكاديمياً واقتصادياً ورياضياً..، وعدم إعطاء أيّ «كارت بلانش» للسلطة التي وقعت اتفاقية أوسلو سنة 1993. وبالمناسبة، هل نسيتم أن وزير الرياضة هو الذي كسر قرار أكثرية دولية رياضية تحضّ على مقاطعة إسرائيل؟ بمعنى آخر: حين حاول العالم الإسهام في كسر الحصار فعليًّا، عبر عزل إسرائيل رياضيًا، جاء ممثل السلطة «الفلسطينية» بما يفكّ عزلتها! ومن جديد، وبالمنطق المباشر، كيف تساعد سلطة تتعامل مع الاحتلال على كسر الحصار الذي يفرضه هذا الاحتلال؟!
أما بخصوص تعريف التطبيع، فعلينا ألا نغرق في سفسطات تعريفاته كي لا نضيع الهدف الواضح والبسيط من مقاومته. التطبيع، ببساطة، هو جعل «إسرائيل» تبدو طبيعية كي يسهل تبريرُ جرائمها ووجودها. مهمة المثقفين الحقيقيين هي كسر السجن، لا زيارةُ السجين، سواء كان سجّانُه قوةً احتلالية مباشرة أو بمعونة «منسّقين» محليين.

يزن الحاج- الكاتب والمترجم السوري- كان له رأي بكيفية كسر العزلة عن الفلسطينيين من دون زيارات «تطبيعية» كما يراها:
لا بد من التأكيد أولاً وأخيراً أن إطلاق تهمة التخوين لن تفيد أحدًا أيًا يكن رأي كلٍّ منا بالسفر إلى فلسطين. ولكن من المؤكد أنّ الخطوة إشكاليّة، وتتضاعف إشكاليّتها لأن معظم مناصريها ومعارضيها يتبنّون موقفًا إقصائيًا متطرّفًا. هل هي تطبيع أم لا؟، أميل شخصيًا إلى كونها تطبيعًا، لأنها تستلزم موافقة إسرائيلية، حتى لو كانت عن طريق السلطة الفلسطينية، التي لا تملك فعليًا حريّة إصدار موافقات أو منعها. ولكن الزيارات ستتواصل، وبذا سيكون من الأجدى أن نناقش بهدوء حسنات هذه الخطوة ومساوئها. وقد اسهم انعقاد ملتقى رام الله الروائي في تضاعف تشكّكي حيال فائدة الخطوة بحد ذاتها. يؤكد من شارك بأنه يسهم في «فك العزلة» عن الفلسطينيين، وتردّدت العبارة الأزليّة «زيارة السجين لا تعني التطبيع مع السجّان». لكن السلطة الفلسطينية تسهم أيضًا في تضييق الخناق على الفلسطينيين عبر تنسيقها في المجالات كلها مع إسرائيل، وبذا سيكون من المنطقي التشكيك في أية مبادرة منها، لأنها ستسهم بالضرورة في تبييض صورتها من دون أن يكون النفع للفلسطينيين دومًا. ولكن هذه مسألة أخرى تحتاج إلى نقاش مستقل. والأجدى هنا التركيز على الفلسطينيين ككل.
فك العزلة يعني إشراك الفلسطينيين في النشاطات كلها على اختلافها، ولا أعتقد أن فك العزلة يستلزم الوجود داخل فلسطين، وربما تكون الخطوة الأفضل هي نقل فلسطين خارج فلسطين، وحث الفلسطينيين على المشاركة في الفعاليات العربية. أما ما يحدث في الواقع فهو إقصاء الفلسطينيين بدواعٍ كثيرة، كامتلاكهم جواز سفر إسرائيليا، والتحدث باسمهم بينما هم ممنوعون من دخول معظم الدول العربية، عدا عن منع نتاجاتهم بذريعة الوقوع في شبهة التطبيع وذرائع واهية أخرى. هكذا يكون لفك العزلة معنى أهم كما أظن. ويمكن أن أقترح هنا إصدار طبعة فلسطينية من نتاجات الكتّاب كي نفوّت الفرصة على إسرائيل في منع دخول الكتب العربية، وبذا يتحقق حضور الكتّاب ولو بشكل غير مباشر.
وثمة نقطة مهمة أخرى غابت عن المشاركين، وهي دوافع إسرائيل في إقصاء بعض الأسماء. لمَ قُبلت أسماء ومُنعت أخرى، وما معيار القبول والرفض؟ إجابة هذا السؤال ستسهم بقوة في توضيح الكثير من التفاصيل الضبابية. وربما يمكن لنا بعدها جميعًا، فلسطينيين وغير فلسطينيين، التوافق على صيغة مثلى للاجتماع.

أشرف الخمايسي: لا أرى الأحداث السياسية والحروب العسكرية التي تجري في منطقة الشرق الأوسط قادرة على إزاحة القضية الفلسطينية عن بؤرة الرؤية والاهتمام. لأن، وببساطة شديدة، إشاعة كل هذه الفوضى تهدف إلى استتباب أمن الكيان الصهيوني. والكيان الصهيوني قائم على أرض فلسطينية محتلة. لهذا السبب لن تنزاح فلسطين مطلقا عن بؤرة الاهتمام. لذلك يمكننا ببساطة نفي التصور الموحي بأن القضية الفلسطينية قد ماتت وأن على أحدهم إحياءها!. وحتى لو اعتقدنا بصحة هذا التصور فإن مثقفي هذا العصر، من وجهة نظري، أبعد الناس عن فكرة إحيائها. فالمثقف العربي صار مسهماً أصيلا في تمييع هذه القضية، وإن استطاع تجميدها حتى الموت فسيفعل. إذ إن الاهتمام بهذه القضية يأتي عكس توجهاته العصرية المتخيلة عن كل ثوابته الثقافية الأصيلة لمصلحة ثوابت ثقافية غربية غريبة. إنه يجتهد الآن في البحث عن كيفيات لطرق هدم العقائد الدينية. ينبش في التاريخ ليستخرج التاريخيين، بالأخص من انتصر منهم في حروب استعادة القدس، فيمزقهم إربا إربا، محولا إياهم من شخصيات منتصرة عظيمة إلى شخصيات فاشستية حقيرة!. بالتالي يصبح الانتصار الحقيقي لفلسطين عائقا لطموحات المثقف العربي المعاصر المنبطح ذهنيا للأفكار الغربية المتقدمة.
إن كثيرين من هؤلاء المثقفين يروّجون لفكرة خسيسة مفادها أن الفلسطينيين باعوا أراضي فلسطين لليهود، بل ويروجون لما هو أخس من ذلك؛ إن الفلسطيني إنسان ماكر لا تؤمن صحبته!. المثقفون يتقبلون قصف إسرائيل لغزة لأنهم إخوان مسلمون!. ويتقبلون التضييق الإسرائيلي على الضفة لأنها يجب أن تتحمل تبعات تنسيقها الأمني مع إسرائيل!. هكذا المثقف العربي يمثل الشيء ونقيضه في آن!. ولأنه عاجز عن تقديم الحلول يأخذ في طرح الجدليات العقيمة. منها «فتح باب النقاش حول مفهوم جديد للتطبيع»! التطبيع سلوك. فهل يصح أن تجري عوامل التعرية وتقادم الزمان على مفهوم السلوك؟ هل يمكن للسلام أن يكون شيئا غير السلام في أي وقت؟ هل يمكن للتدليس أن يكون شيئا غير التدليس في أي وقت؟ هل يمكن للتطبيع أن يكون شيئا غير التطبيع في أي وقت؟ والحق أن مشاركة الأدباء العرب في هذا الملتقى ليست تطبيعا مباشرا، إنها تطبيع مقنّع. لقد قدموا أوراقا للكيان الصهيوني يطلبون فيها المشاركة بهذا الملتقى. ودخلوا الضفة من معابر مدججة بجنود المحتل، وقفوا أمامهم ينتظرون الإذن منهم بالدخول!. ما يمثل اعترافا بهذا المحتل. ولو أن الأمر مفيد على حقيقته للقضية الفلسطينية لما كان المحتل سمح لهذه الفاعلية بالتمام. لكنه يدري، مثلما ندري، أنها فاعلية فسحة وترويح عن النفس لأدباء اغتسلوا من الدم العربي الذي سال أنهارا من أجل الانتصار لهذه القضية، جاؤوا لتحقيق أهداف ذاتية تخصهم لا علاقة لها باكتشاف الداخل الفلسطيني على حقيقته، ولا لكسر الحصار الفلسطيني. فالداخل الفلسطيني أوسع وأرحب وأعمق من أن يكتشفه أحد في يومين أو ثلاثة. والحصار الذي ينكسر بالفعل هو حصار المثقفين للكيان الصهيوني.

الدكتور إيهاب بسيسو وزير الثقافة الفلسطيني قال:
إن العمل من أجل تعزيز حضور فلسطين ثقافيا كجزء أساسي من حضور فلسطين سياسيا، على خارطة العمل العربي والدولي، في ظل كل التحديات التي تمر بها المنطقة العربية، يتطلب جهدا مشتركا على أكثر من صعيد واستراتيجية ثقافية وخطة عمل وبرامج تدعم الرواية الثقافية الفلسطينية في مواجهة رواية الاستعمار الاستيطاني، وتسهم في كسر العزلة والحصار الثقافي الذي هو جزء من حصار أكبر، يسعى من خلاله الاحتلال الاسرائيلي الى تكريس العزل كأمر واقع في الحياة اليومية الفلسطينية.
إن سعينا للامتداد عربيا ودوليا عبر فعاليات ثقافية فلسطينية هو جزء من نضالنا الثقافي، الذي يعتمد على قدرة الابداع الفلسطيني في نحت ملامح الصمود الوطني أمام مختلف العراقيل، وهو نافذة إضافية تطل من خلالها القضية الوطنية على فضاءات عربية ودولية، كي تحقق المزيد من الحضور للرواية الوطنية الفلسطينية.
لهذا، فإن مشاركة فلسطين من خلال مبدعيها ومبدعاتها في الفعاليات الثقافية عربيا ودوليا ضرورة وطنية، كما أن تنظيم الفعاليات الثقافية كمعرض فلسطين الدولي للكتاب، وملتقى الرواية العربية ومختلف المهرجانات الثقافية، هو جزء من فعل الصمود والإرادة من خلال مد الجسور نحو العمق العربي والدولي.
إن مشاركة المثقفين العرب في الفعاليات الثقافية على أرض فلسطين يحقق غاية دعم الصمود والإرادة، بأن فلسطين جديرة بالأمل ولا تتوقف عجلة العمل الثقافي أمام تحديات الاحتلال، بل على العكس تصبح الثقافة هنا فعلا مقاوما ببعده العربي والدولي، وانكشاف الجانب اليومي في الحياة الفلسطينية أمام المبدعين والمبدعات بشكل مباشر، تصبح من خلاله الرواية الفلسطينية أكثر وضوحا بكل أبعادها الوطنية والانسانية.
وهنا نؤكد مقولة الراحل الكبير فيصل الحسيني عندما قال ان زيارة السجين لا تعني تطبيعا مع السجان. ففي ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية، دورة القدس، تزامن الحدث مع اضراب أسرانا البواسل عن الطعام ما دفع لان يكون الملتقى رسالة ثقافية مؤثرة من خلال حضور نخبة من الروائيين والروائيات العرب، الذين حضروا خلال أيام الملتقى في خيم التضامن مع الأسرى، وشاركوا في مناسبة اطلاق رواية الاسير باسم خندقجي «نرجس العزلة» كحدث ثقافي ضمن أعمال الملتقى، في اشارة رمزية ايضا إلى أدب الحركة الأسيرة الفلسطينية وإدارة الأسرى في مواجهة الزنزانة والعتمة، وهي الرسالة ذاتها التي حققتها فلسطين من خلال فضاء الحرية في معرض فلسطين الدولي في العام 2016 الذي كرس فعالياته لابداعات الحركة الاسيرة الفلسطينية من خلال الندوات المختلفة. في ملتقى فلسطين للرواية العربية تم العمل وفق التوجه نفسه، حيث عندما تم عرض فيلم اصطياد الأشباح للمخرج الفلسطيني رائد انضوني، الذي عكس تجربة الأسرى الفلطسينيين في سجون الاحتلال من خلال فيلمه الحائز جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان برلين للسينما هذا العام.
هذه المكونات الثقافية جميعا عندما يتم توظيفها في الفعل الثقافي الفلسطيني على أرض فلسطين، وبحضور مثقفين من الدول العربية ضمن البرامج الثقافية الفلسطينية، تحقق جزءا أساسيا من رسالة الثقافة بالصمود والبقاء كحالة مقاومة. مقاومة بالثقافة.

د. عبدالله السفياني- ناقد وأكاديمي سعودي ومدير الموسوعة العالمية للشعر- رأى أن سؤال الجدوى من تلك الزيارات يثبت أنها غير مهمة وتطبيعية:
ينبغي أن نعلم أن العالم العربي والاسلامي ضد التطبيع مع العدو الصهيوني القابع في فلسطين، وهذا حق ليس لأحد أن يساومنا أو يفاوضنا فيه، لأنه حق وجودنا الكوني والانساني والقومي. بالنسبة لزيارة الكتاب والمثقفين إلى الكيان الاسرائيلي الذي لا يزال يحتل الأرض ويديرها، ويمارس جميع أشكال الارهاب الدولي من قتل وقمع وتشريد ضد أبناء الشعب الفلسطيني العربي المسلم وغير المسلم، ينبغي أن يكون موقفنا موحدا، فالزيارة التي يمارسها بعض المثقفين، في نظري وإن كانت جميع مبرراتهم منطقية أو مقبولة، تحت غطاء كسر العزلة أو الاتصال مع إخواننا في فلسطين المحتلة وعدم تركهم للمحتل، أنا لا أرى أنها مقنعة أو صحيحة، والسبب أن الموقف من التطبيع موقف سياسي وانساني بالدرجة الأولى، لذلك يفهمه كثير من الفلسطينيين سواء كانوا في الأرض المحتلة أو الشتات فهما تطبيعيا خالصا، بمعنى أنهم لا يقدرون تلك التبريرات التي يطلقها بعض الكتاب الذين قاموا بمثل هذه الزيارات أو من سيقوم بها مستقبلا.
وهناك سؤال مهم هو عن جدوى تلك الزيارات، فلو اقتنعنا جدلا أن زيارات المثقفين هي كسر للعزلة وتواصل مع إخواننا في فلسطين، فهل حققت تلك الأهداف؟ وما مكتسبات القضية الفلسطينية جراء زياراتهم؟ ماذا جنينا من ذلك؟ هل هناك نتائج ايجابية على أرض الواقع حتى يمكن إقناع المثقفين، الذين يرون أن هذه الزيارات تطبيع مع المحتل، بأن هذه الزيارات مثمرة؟. أعتقد أن سؤال الجدوى يقطع الكثير من المبررات التي سمعناها. وأضيف أنني لا احب ان أتهم من قاموا بهذه الزيارات بأنهم خونة أو عملاء، لكني أخالفهم في وجهة نظرهم ولا أعتبرها في السياق الصحيح أبدا.

  القبس  - 23/05/2017

Popular post

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomVision.Com

تواصل مع الحملة

للتواصل معنا

عنوان: بيروت - لبنان

عبر الهاتف: T: +961 1 858355 | M: +961 3 434643

عبر الايميل: info@boycottcampaign.com

 

fb twitter insta