ZT Charity - шаблон joomla Форекс

fb twitter insta

ندوة بعنوان: المقاطعة في لبنان وثقافة المواجهة

المقاطعة في لبنان و ثقافة المواجهة: ندوة في شتورة مع د. سماح ادريس بدعوة من جمعية حق وخير وجمال، السبت  11/11/2017.

كلمة د. سماح ادريس:

شكرًا، باسمي وباسم حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل" في لبنان، لجمعيّة "حقّ وخير وجمال،" وللدكتورة الصديقة فاتن المرّ. وأشكر أيضًا، وبشكل خاصّ، "اللقاء الوطني ضد التطبيع."
هل مقاطعة "إسرائيل" موضوعٌ راهن، والبلادُ تدخل مجدّدًا أجواءَ حرب وحصار، سببُها غضبٌ سعوديّ من حزبِ الله وإيران ومن التقدّم السوريّ والعراقيّ في الميدان العسكريّ؟
بالتأكيد. فالدولة الصهيونيّة ليست بعيدةً عن هذه الأجواء على الإطلاق، والأرجح أنّها ستكون هي المكلَّفة بقيادة أيّ عدوان جديدٍ محتمل. لكنّ المسألة ليست هنا، وإنّما هي تحديدًا في ضرورة عدم التعامل مع "إسرائيل" بشكلٍ موسميّ: بحيث نقاطعُها إنْ ضربتنا، ثم نزيح المقاطعة جانبًا إنْ لم تضربْنا!

أيّها الأعزّاء، إنّ "إسرائيل" تضربُنا دومًا وإنْ لم تقصفْنا كلَّ يوم. وجودُها نكبةٌ مستمرّةٌ لنا: باللاجئين الذين رمتهم على أقطارنا بوحشيّة؛ بالألغام التي زرعتها في أرضنا؛ بالتجسّس الدائم علينا؛ بشبكاتِ عملائها الجوّالة في كلّ مكان؛ بنهبِ مياهنا؛ بالاستيلاء على طعامنا ولباسِنا ورقصِنا؛ بتحالفها الدائم مع القوى التي استعمرتنا عقودًا؛ بمساعيها الدائبة إلى بناء دويلاتٍ طائفيةٍ وعرقيّةٍ بين ظهرانينا... وعليه، فإنّ مواجهتها ينبغي أن تكون مستمرّةً هي أيضا. ومن هنا أهميّةُ المقاطعة، وأهميّةُ رديفِها الثقافيّ والفكريّ: أيْ مناهضة التطبيع. 

إنّ المقاطعة ومناهضة التطبيع هما الرديفان المدنيّان المستمرّان لفعل المقاومة المسلّحة: لا يتوقّفان بتوقف المدفع، ولا يتراجعان بتوقيع معاهدات"سلام" رسميّة لا تُلزم الشعوبَ بأيّ شيء. بهذا المعنى، فإنّ المقاطعة ومناهضة التطبيع مع العدوّ هما السلاح الأمضى في يدنا لأنّهما السلاح الأبقى، ولأنّهما تجسيدٌ فعليّ ويوميّ لقوة العقل، ولو انحلّ الجسد. 

أيّها الأعزاء، 
هذا الكلام ليس "شعرًا." يؤْثَر عن المناضل ستيف بيكو قولُه: "إنّ أقوى سلاحٍ في يد القامعين هو عقولُ المقهورين." القامع لا يهزمُنا فعليًّا إلّا حين يقبض على عقولنا، فيسلبُنا الطاقةَ على التفكير في سبل مواجهته، ويخدِّرنا، ونصبح أسراه: مسيّرين وراءه كأنّه قدرٌ لا رادّ له؛ هذا إذا لم تذهب شرذمةٌ منّا إلى الترويج لـ"خيرات" السلام معه. المقاطعة ومناهضة التطبيع هما السلاح العقلي، الذي يقوّي إرادةَ القتال نفسَها. فلا يكفي أن يستند المقاومُ إلى السلاح وحده، ولا إلى الإرادة وحدها، بل عليه ان يَعْضدَهما بالحجج العقليّة والبراهين التاريخيّة والأرقام والإحصاءات والتجارب. المقاومة الفعالة فعلٌ متكامل: ذراعٌ وعقلٌ وإرادةٌ وقلب.

أيّها الحضور الكريم،
حين بدأتْ حملةُ المقاطعة في لبنان قبل خمسة عشر عامًا، وتحديدًا في ربيع العام 2002، كانت تستند، في الأساس، إلى حضور العقل والبرهان والتاريخ والرقم والإحصاء، لا إلى عشوائيّة العواطف. كان مخيّمُ جنين يُهدَم فوق رؤوس ساكنيه، ويُجرف بجرّافات الكاتربيلير. وكنّا نشعر أنّ التظاهرات التي نشارك فيها لا تعدو أن تكون "فشّةَ خلق" لا تُسمن ولا تغْني من جوع. وخطرتْ في بالنا فكرة: لِمَ لا نبدأُ بأنفسنا؟ فالعدوّ يعيش في بيوتنا، في غرفنا وحمّاماتنا ومطابخنا، فلماذا لا نطردُه منها أوّلًا؟ ألن يكون ذلك أفعلَ من الخطب الرنّانة والمسيراتِ الصاخبة، التي عادةً ما تنتهي بإرواء عطشنا بقنينتيْ كوكاكولا داعمتيْن لـ"إسرائيل،" أو بتسكين جوعِنا بلوحيْ كرانْش من شركة نسْله التي كانت قد اشترت نسبةً ضخمةً من أسهم أكبر شركة أغذيةٍ إسرائيليّةٍ قبل أن تشتريها كلَّها بعد أعوام قليلة؟

لم تنطلق حملتُنا من فراغ. كان نموذجُنا العالميّ الأعلى هو حملة سحب الاستثمارات في جنوب أفريقيا. فالمعروف أنّ القوى المعادية للفصل العنصريّ هناك قادت حملة عالميّة لعزل نظام الأبارتهايد، وأسهمتْ حملاتٌ مدنيّة عالميّة وفنّانون ومثقّفون عالميون في نزع الشرعيّة عن هذا النظام وفي خنقه اقتصاديًّا، حتى تهاوى، ممهِّدًا لتدشين نظام أقلّ جورًا على أنقاض حكم الأقليّة البيضاء. وبالطبع كانت ثمّة نماذجُ عربيّة سابقة متفرّقة لمقاطعة بريطانيا، مثّلها فنّانون وشعراء كبار أمثال سيّد درويش وبيرم التونسي؛ تلتها نماذجُ مشرِّفة لمقاطعة الوجود الإسرائيليّ في مصر بعد ذلك بعقود، ايْ بعد توقيع أنور السادات اتفاقيّة كامب ديفيد، وقادتها شخصيّات مبدعةٌ وازنة مثل الروائيتين المناضلتيْن لطيفة الزيّات ورضوى عاشور.

بعد ثلاثة أعوام، وتحديدًا في صيف العام 2005، توجّهتْ حوالي مئة وسبعين منظّمة فلسطينيّة، تمثِّل الغالبيّة الساحقة من المجتمع الأهليّ الفلسطينيّ، بما في ذلك فصائلُ العمل الوطنيّ والاتحادات المهنيّة والنقابيّة، بـ"نداء" إلى المجتمع العالميّ، طالبتْه فيه بـ"مقاطعة إسرائيل وسحبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها" ما لم تستجبْ لثلاثة مطالب تتعلق جميعُها بإلزامها بتنفيذ القانون الدوليّ وهي الآتية: 1) الانسحاب من الأراضي العربيّة المحتلّة، بما في ذلك القدسُ والجولان. 2) إنهاء نظام التمييز العنصري داخل فلسطين 48، أيْ داخل ما يسمّى دولة "إسرائيل." 3) عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم بموجب القرارالدوليّ رقم 194.

هذه المطالب، أيّها الكرام، قد تبدو، للوهلة الأولى، "متواضعةً" بالنسبة إلينا، نحن اللبنانيين. لكنّها ليست كذلك بالنسبة إلى الأميركيين والأوروبيين بشكلٍ خاص. فالغرب، كما تعلمون، تسلّطتْ على رأيه العامّ منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، قوةٌ عاتية، مشكَّلةً أساسًا من اللوبي الصهيونيّ وكبارِ الرأسماليين، وصَوّرتْ له العربَ والمسلمين والفلسطينيين وكأنهم هم المسؤولون عن إنقاذ "اليهود" من جرائم النازيّة. بل إنّ الشعب الفلسطينيّ لم يكن، هو نفسُه، معروفًا إلّا لقلّةٍ في الغرب، إذ أفلحت الصهيونيّةُ في إشاعة إيديولوجيّتها الكاذبة القائلة إنّ فلسطين "أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض." ومن هنا فقد كان حصرُ مطالب حركة المقاطعة العالميّة (BDS) بالقانون الدوليّ خيارًا ملائمًا تمامًا للسياق الدوليّ، والغربيّ بشكلٍ خاصّ. ومن هنا أيضًا قدرةُ هذه الحركة على تحقيق إنجازاتٍ كبرى لم تكن تحلم بها حركةُ المقاطعة الجنوبأفريقيّة نفسُها في هذه الفترة القصيرة من عمر BDS (يُروى عن كبير أساقفة جنوب أفريقيا المناضل دزموند توتو أنّه قال لأحد قادة المقاطعة "لقد حققتم خلال خمس سنوات، 2005 ـ 2010، ما عجزنا عن تحقيقه طوال خمسين عامًا!")؛ وهذه الإنجازات طالت، وتطول، مختلف مناحي الحياة وقطاعات المجتمعات الدوليّة (من جامعات، وبلديّات، وجمعيّات أكاديميّة، وكنائس، وصناديق تقاعد، وفنّانين، ومثقّفين،...). كما أنّ مطالبَ حركة المقاطعة العالميّة، وإنْ لم تَرْقَ إلى المطالبة بـ"تحرير فلسطين من النهر إلى البحر،" تحطِّم إحدى أهمّ ركائز المشروع الصهيونيّ، ألا وهي منعُ اللاجئين الفلسطينيين من العودة. وهذا المطلب تحديدًا هو، في رأيي، أهمّ قاسم مشترك توصّل إليه تحالفُ الناشطين الفلسطينيين والعرب والدوليين على صعيد المسألة الفلسطينيّة منذ نشأتها!

بنشوء حركة المقاطعة العالميّة ذاتِ القيادة والمشاركةِ الفلسطينيّة الفاعلة، اتّخذتْ حملةُ المقاطعة في لبنان أبعادًا أخرى. فصرنا ننسّق مع الحركة العالميّة من أجل مقاطعة شركاتٍ بعينها (G4S مثلًا)، ومن أجل حثّ فنّانين ومثقفين عالميين محدّدين على عدم تقديم عروض أو محاضرات في الكيان الصهيونيّ لأنهم بذلك يُسهمون في طمس الجريمة الدمويّة الإسرائيليّة، بل في تلميعِها بإلباسها ثوبًا حضاريًّا وفنيًّا وثقافيًّا برّاقًا. وباتت حملة المقاطعة في لبنان إحدى أكثر القوى العربيّة والعالميّة شهرةً بدقّتها العلميّة، ومثابرتها، وتفانيها. 

ولا بدّ من القول إنّ ما ساهم في تطوير حملة المقاطعة في لبنان هو أنّ اختلافَ معاييرها أحيانًا عن معايير حركة المقاطعة العالميّة، بل عن معايير حركة المقاطعة الفلسطينيّة نفسها، لم يمنعْ دون التعاون معهما في ما نتّفق عليه؛ وهذه من أبرز نقاط قوة حركة المقاطعة في العالم: "التحسّس العالي للسياقات المحلّيّة." لذا لم يَمنع إيمانُنا بتحرير كامل فلسطين، وبالمقاومة المسلّحة، من أن نتحالفَ مع الحركة العالميّة. فسياقُنا في لبنان مختلف عن سياقات العالم باسره: إذ لدينا قانونٌ بعاقب أيَّ متعاملٍ مع"إسرائيل" (وإنْ كنّا نطالب بتعديله في نقطتين تخصّان الثقافة وفلسطينيّي 48 ـ وهذا ما يمكن أن نناقشَه فيما بعد)؛ ولدينا مقاومةٌ طردت العدوَّ من معظم أراضينا؛ ولدينا أكثر من 100 ألف صاروخ؛ ولدينا القدرةُ على الدخول إلى الجليل في حال ارتكاب العدوّ لأيّة "حماقاتٍ" جديدة بحسب تصريحات سماحة الأمين العامّ لحزب الله.

في المجال الاستهلاكيّ قدّمتْ حملةُ المقاطعة في لبنان قائمةً بأبرز الشركات المتعاملة مع الكيان الصهيونيّ، مرفَقةً بمعايير واضحة لما نعتبره "دعمًا مباشرًا" له: من شراء أسهم أو شركات إسرائيليّة، أو دعم الصندوق القوميّ اليهوديّ المسؤول عن توطين اليهود في فلسطين، أو الإسهام المباشر في جرف بيوت الفلسطينيين أو قصف لبنان، أو دعم السجون والحواجز الإسرائيليّة... ووضعنا ذلك كلَّه ضمن "تطبيقٍ هاتفيّ" خاصّ، وكذلك على موقعنا الإلكترونيّ: www.boycottcampaign.com 
وفي المجال الفنّيّ والثقافيّ، قمنا ببناء بدايات متطوّرة لـ"منظومة" فكريّة متكاملة حول تعريف التطبيع، وذرائعِه، وسياقاته، وحالاته. وبحثنا في مواجهته، مستخدمين القانونَ اللبنانيَّ واللجوءَ إلى مكتب المقاطعة (التابع لوزارة الاقتصاد) وسُبُلًا أخرى. 

في مساعينا كلِّها لم يكن عملُنا سهلًا. فنحن في مجتمع استهلاكيّ، يبرِِّر كلَّ شيء من أجل المتعة الآنيّة. وتحوّلت الخيانةُ عند كثيرين فيه إلى "وجهة نظر." وتصدّرتْ لدى آخرين شعاراتُ "الفنّ فوق كلّ شيء" قائمةَ منظومتهم الفكريّة "الليبراليّة." وهناك، على ما تلاحظون، محاولاتٌ حثيثةٌ لتحويل البوصلة من "إسرائيل" إلى إيران وسوريا، ومن الإسرائيليين والإمبرياليين إلى "الشيعة،" ومن المقاومة إلى "السلام،" ومن تحرير فلسطين إلى "تمكين المرأة والطفل"...
هذه المحاولات تستفيد من واقعٍ داخليٍّ مأزوم، ومفقَّر، يُعلي من شأن الطائفة على حساب الوطن، ومن شأن الإقليم على حساب الأمّة، ومن شأن الحريّات الفرديّة والشخصيّة (المهمّة جدًّا بالطبع) على حساب القضايا العامّة. ومن هنا فإنّ دور المقاطعة مرتبطٌ، شئنا أمْ أبينا، بالعمل على ترسيخ المواطَنة والقوميّة المتجدّدة. فهذه أقانيمُ مترابطةٌ لا تسير إلّا معًا: فلا يجوز أن "تؤجَّلَ" الحريّاتُ الفرديّة إلى ما بعد التحرير الوطنيّ، ولا أن "تتقدّمَ" تلك على هذا.

حين أنشأ أديبُنا الاستثنائيّ سعيد تقيّ الدين جمعيّة "كلُّ مواطنٍ خفير" قبل عقود طويلة كان يطمح إلى أمّةٍ مقاومةٍ، من أفرادٍ أحرارٍ ومسؤولين، يترصّدون كلَّ اختراقٍ صهيونيّ، ويواجهونه. حلمُ تقيّ الدين يقترب من غايته كلّما دعمنا حركةَ المقاطعة، بالقول والفعل الدائميْن.


شتورة (لبنان)

تواصل مع الحملة

للتواصل معنا

عنوان: بيروت - لبنان

عبر الهاتف: T: +961 1 858355 | M: +961 3 434643

عبر الايميل: info@boycottcampaign.com

 

fb twitter insta