ZT Charity - шаблон joomla Форекс

fb twitter insta

ندوة: تحصين الجمهور اللبنانيّ ضدّ التطبيع مع العدوّ الصهيونيّ

كلمة سماح إدريسفي ندوةٍ أقامتها "ندوةُ العمل الوطني" في مركز توفيق طبّارة في بيروت في 24/11/2017، بعنوان "تحصين الجمهور اللبنانيّ ضدّ  التطبيعمع العدوّ الصهيونيّ،" وشارك فيها المسرحيّ جلال خوري و والصحافي بيار أبي صعب.

تحيّةً إليكم، وتحيّة خاصّة إلى أحد أبرز ضمائر أمّتنا، الدكتور سليم الحصّ.
عنوانُ الندوة "تحصين الجمهور اللبنانيّ..." قد يبثّ الانزعاجَ في فئةٍ أو فئاتٍ من شعبنا، وخصوصًا مَن يعتبرون أنّهم ليسوا "قاصرين" أو في حاجةٍ إلى "تحصين" و"تلقين." لكنْ، بعد الذي شهِدناه من انجراف الآلاف من أفراد شعبنا وراء الإعلام المزوِّر للحقائق، والمشوِّه لثقافة المقاطعة، فلا بدّ لنا فعلًا من "آليّات دفاع" يستخدمها اللبنانيون ضدّ انتشار ثقافة التطبيع مع العدوّ. وهذه الآليّات ينبغي أن تكون من تصميم /وترويج/ عدة أطراف في المجتمع اللبنانيّ، من قانونيين وفنّانين وحزبيين وكتّاب وإعلاميين،... فضلًا عن حملة المقاطعة طبعًا.
نبدأ بالتحصين القانونيّ: مقاومة التطبيع عملٌ يَكفله "قانونُ مقاطعة إسرائيل،" الصادرُ عن جامعة الدول العربيّة سنة 1955، وتبنّاه لبنانُ وما يزال. وهو ينصّ في مادّته الأولى على الآتي: "يحظَّر على كلّ شخصٍ، طبيعيٍّ أو معنويّ، أن يَعْقد، بالذاتِ أو بالواسطة، اتّفاقًا مع هيئاتٍ أو أشخاصٍ، مقيمين في إسرائيل، أو منتمين إليها بجنسيّتهم، أو يعملون لحسابِها أو لمصلحتِها، وذلك متى كان موضوعُ الاتفاق صفقاتٍ تجاريّةً أو عمليّاتٍ ماليّةً أو أيَّ تعاملٍ آخرَ مهما كانت طبيعتُه..." 
الكلمات الأخيرة لم تَحْصر الحظرَ بالتعامل التجاريّ مع العدوّ. صحيح أنه لم يرِدْ ذكرُ أنواع التعامل الأخرى حرْفيًّا، ولكنّ ذلك يعود ـ بحسب د. عصام نعمة إسماعيل ـ إلى أنّه لم يكن "في واردِ أيّ لبنانيّ أو عربيّ" آنذاك (سنة 1955) "أن يَقبلَ بإسرائيل أو أن يقيمَ أيَّ تعاونٍ ثقافيٍّ أو حضاريٍّ أو فكريٍّ" معها. ومع ذلك، فإنّ علينا اليوم تعديلَ هذا القانون كي ينصّ بشكلٍ صريحٍ على حظر أشكال التعامل الفنيّة والثقافيّة والأكاديميّة والمهنيّة مع العدوّ، وعبر الوسائل التواصليّة كافّةً. الجدير ذكرُه أن مَن يخالف هذا القانون يعاقَب، بموجب المادّة السابعة، بعقوباتٍ أهمُّها "الأشغالُ الشاقّة الموقّتة من ثلاث إلى عشر سنوات." 
غير أنّ التحصين القانونيّ ضدّ التطبيع لا يكفي على الإطلاق، لسببين. الأول أنّ موادّ القانون كثيرًا ما تكون "حمّالة أوجه" (فمثلًا أصرّ أحدُ المحامين الأصدقاء على أنّ عبارة "أو أيَّ تعاملٍ آخرَ مهما كانت طبيعتُه" لا تعني بالضرورة الجوانبَ غيرَ التجاريّة). والثاني لأنّ التحصين الحقيقيّ يترسّخ فعلًا متى اقتنع الناسُ بصواب المقاطعة وأخلاقيّتها وجدواها. وهنا يأتي دورُ الثقافة والإعلام والأحزاب و"مناضلي المجتمع الأهليّ" (هذا التعبير، على مشاكله، قد يكون أقلَّ التباسًا وبعثًا على الريبة من تعبير "ناشطي المجتمع المدنيّ"). ويأتي ذلك من خلال ما سنعرضه الآن.
***
من أجل تعزيز آليّات الدفاع الاجتماعيّ ضدّ التطبيع، علينا أوّلًا أن نُبرز أهميّةَ التطبيع الثقافيّ والفنيّ والأكاديميّ بالنسبة إلى العدوّ. وهذا ليس صعبًا مع كثرة التصريحات والحوافز الإسرائيليّة في هذا الخصوص. من ذلك تصريحُ نائب المدير العامّ لشؤون الثقافة في الكيان الغاصب سنة 2009، آريي ميكيل: "سوف نرسل إلى الخارج روائيين وكتّابًا مشهورين، وشركاتٍ مسرحيّةً، ومَعارضَ فنية... كي لا يتمّ التفكيرُ فينا في سياق الحرب فقط." ومن ذلك أنّ كيانَ العدوّ، في العام 2016، دعا 26 من حمَلة الأوسكار إلى زيارته، والهدف طبعًا هو تلميع صورته الدمويّة (وقد رفضوا جميعهم بالمناسبة!). ومن ذلك، أخيرًا، اعترافُ الإعلام الإسرائيليّ بخيبة أمل كبيرة من منع لبنان فيلم "المرأة الخارقة" من بطولة الجنديّة الإسرائيليّة السابقة غال غادوت؛ فقد كان الإسرائيليون، بحسب أحد إعلامييهم، يطمحون من خلال السماح بالفيلم في لبنان "إلى أن يحبَّنا اللبنانيون أكثر."
***
وعلينا، ثانيًا، أن نواجه خطابًا "ليبراليًّا" مزيّفًا منتشرًا في المجتمع اللبنانيّ بعد انهيار، أو شبه انهيار، السرديّات التحرريّة الكبرى. ثمّة خطابٌ في بلادنا، أيها الأعزّاء، قائمٌ على مفرداتٍ تطبيعيّة في الصميم: كـ"ثقافة السلام،" و"حلّ النزاعات بالطرق السلميّة." وتعميمُ هذه المصطلحات، بواسطةِ ما يُسمّى "المنظّمات غير الحكوميّة،" يترافق مع وقف الحديث عن تحرير فلسطين بشكلٍ خاصّ، وتحويل الصراع التناحري مع العدوّ إلى محض نزاع إقليميّ.
وفي إطار هذا الخطاب تبرز شعاراتٌ خطيرةٌ مثل "المتوسطية" و"الأورومتوسطية،" وهي تهدف ـ من ضمن ما تهدف ـ إلى ترسيخ وجود "إسرائيل" في الذهن، لا في الجغرافيا وحدها، في وصفها كيانًا طبيعيًّا ينبغي قبولُه بحكم العادة والأمر الواقع
كما يبرز تشويهٌ من قِبل ناشطين "ديمقراطيين" يتقصّدون مساواةَ مقاومة التطبيع بالإرهاب الثقافيّ. وهنا على مناهضي التطبيع ألّا يكَلوا عن التمييز بين حريّة التعبير وحريّة التطبيع؛ ففي حين أنّ الأولى مرغوبة في ذاتها عادةً، فإنّ الثانية تضرب تاريخَنا وشهداءنا وسيادتَنا وقانونَنا وتعرّض مستقبلَنا الوطنيّ والقوميّ للتشتّت.
***
وعلينا، ثالثًا، كإعلاميين وناشرين ومثقفين، أن نتصدّى لذرائع المطبِّعين اللبنانيين والعرب. ومنها:
أ ـ أنّ التواصل مع الإسرائيليين ضرورة ثقافيّة لمعرفة العدوّ. الردّ على هذه الذريعة ذو شقّيّن. يجب، أولًا، أن نُبْرز للمجتمع اللبنانيّ أنّ المؤسّسات الجامعيّة والقضائيّة والطبيّة والإعلاميّة الإسرائيلية جزءٌ لا يتجزّأ من بنية الاحتلال. فمثلًا "معهد دراسات الأمن القوميّ،" التابع لجامعة تل أبيب، هو صاحبُ نظريّة "القوة غير المتكافئة" الداعيةِ إلى تدمير البنية التحتيّة المدنيّة وإنزالِ أشدِّ أنواعِ المعاناة في حقّ المدنيين. وجامعة حيفا أيّدتْ، في بيان رسميّ، عمليّةَ "الرصاص المصبوب" ضدّ غزّة (2008 ـ 2009)، وأستاذُ الجغرافيا فيها هو الذي اخترع فكرةَ الجدار العنصريّ، وهو صاحبُ قول: "إذا كنّا نريد أن نبقى على قيْد الحياة فعلينا أن نَقتلَ ونَقتلَ ونَقتلَ طوالَ اليوم، كلَّ يوم..." كما أنّ هذه الجامعات نفسَها تزوّد المحاكمَ العسكريّةَ بمتخرّجي القانون. أمّا المؤسّسات الطبّيّة الإسرائيليّة فتضمّ أطبّاءَ يشْرفون على تعذيب الفلسطينيين!
وفي هذا الإطار علينا أن نوضحَ لمثقّفينا وطلّابنا أنّهم يستطيعون "التعرّفَ إلى العدوّ"... لكنْ مقرصَنًا، بدلًا من الذهاب إلى عقر داره أو التواصلِ معه بشكل مباشر أو إفادتِه ماديًّا (هو أو ناشرِه أو منتِجِه أو موزّعِه). بل إنّ في إمكانهم الذهابَ إلى كلّ المؤتمرات العالميّة تقريبًا، إنّما ضمن شروطٍ تمليها عليهم واجباتُهم تجاه القانون والوطن. فإذا دُعوا إلى مؤتمر عالميّ، فمن واجبهم أن يتأكّدوا من عدم حصوله على تمويلٍ أو رعايةٍ من أيّة مؤسّسةٍ إسرائيليّة، وأن يتأكّدوا كذلك من خلوّ جلستهم من المحاضرين الإسرائيليين (وإلّا طلبوا نقلَهم إلى جلسةٍ أخرى)، وأن يتجنّبوا أخيرًا الحوارَ مع الإسرائيليين هناك، رافضين "وضعَ خلافاتِهم السياسيّةَ معهم جانبًا" تحت أيّة حجّة؛ ذلك لأنّ "عزلَ" الثقافة والفنّ والعلم عن السياسة هو تمامًا ما يريده هذا العدوُّ من أجل إلباس احتلاله وعنصريته ورقًا برّاقًا
ب ـ ذريعة المطبّعين الثانية هي أنّ التواصل مع الإسرائيليين ضرورة تكتيكيّة لـ"اختراق الوعي الإسرائيليّ." هنا الردّ سهل نسبيًّا؛ ذلك لأنّه من العبث تصوّرُ "المواطن" الإسرائيليّ، الذي يرى بأمّ العين جرائمَ دولته منذ عقود، وهو ينتظر، مكتوفَ اليدين، المثقفَ اللبنانيَّ كي "يدلّه" إليها!
ج ـ ذريعة المطبّعين الثالثة هي أنّ التواصل مع الإسرائيليين ضرورة فنيّة. وهذه "الضرورة الفنّيّة" هي التي "حتّمتْ" أن يذهب شخص كزياد دويري إلى كيان العدوّ وأن يعمل فيه سنةً تقريبًا، وأن يستعينَ بممثّلةٍ إسرائيليّة "قبلتْ أن تتعرّى" في الفيلم. الحجج الفنيّة باطلة هي الأخرى: إذ يمكن مخرجي أفلام الخيال العلميّ أن يصوّروا فيلمًا عن سطح القمر من دون أن يسافروا إلى القمر؛ كما يمكن إيجادُ نساءٍ غيرِ إسرائيليّات "يَقْبلن التعرّي."
***
أيها الكرام،
بالإضافة إلى ما ذكرنا، فإنّ العدوّ، كما لا يخفى عليكم، يحاول أن يتسلّل إلى مجتمعنا العربيّ، وضمنه اللبنانيّ، من خلال ثلاث بوّابات.
البوّابة الأولى هي بوّابة الطائفيّة. كل طائفة أو جماعة مستضعفة، أو تريد أن تستقوي على غيرها من الطوائف، مرشّحةٌ لأن تطبِّع علاقاتِها مع العدوّ الخارجيّ بدعوى "حماية نفسها." خطرُ التطبيع هنا لا تُمْكن مواجهتُه إلّا بترسيخ المواطَنة. لا إمكانيّة لتغذية "ثقافة مناهضة التطبيع" إلّا عندما يَعتبر كلُّ لبنانيّ نفسَه جزءًا من مجتمعٍ واحدٍ متكامل، ذي أهدافٍ وطنيّةٍ جامعة، لا فردًا في طائفةٍ تَخضع لقرار زعيمِها أو زعمائها في شتّى المجالات.
البوّابة الثانية للتطبيع هي بوّابة الأقلّيّات. لا شكّ في أنّكم قد لاحظتم، خصوصًا في السنوات الأخيرة، تزايدَ ترحيب بعض الناشطين المنتمين إلى أقليّاتٍ قوميّة بالتعاون والتواصل والتحالف مع "إسرائيل" على قاعدة "وحدة الأقليّات" في وجه "الأكثرية المستبدّة." وعليه، فلا مفرَّ من أن تترافق آليّاتُ مقاومة التطبيع مع توضيح فهمنا لـ"العروبة" وتجذيره، بعيدًا عن أيّ استعلاءٍ قوميّ
البوّابة الثالثة هي بوّابةُ المهمَّشين. منذ سنوات وجماعاتٌ إسرائيلية تتصرّف وكأنّ "إسرائيل" قِبلةُ المثليّة والنِّسْوية في منطقتنا، وتغْري النِّسْويّاتِ الفلسطينيّات والمثليين والمثليّات العرب بالتواصل معها في وجه الذكوريّة (العربيّة والإسرائيليّة معًا). ولعلّكم شاهدتم، مؤخّرًا، مسيراتٍ مثليّةً داخل الكيان الغاصب، شارك فيها مثليّون عرب (ولبنانيون)؛ وهذا يندرج ضمن ما يسمّى بالإنجليزية "الغسيل القرنفلي" أو الورديّ (pinkwashing)، أيْ طمس الدمويّة الإسرائيليّة بلون المثليّة. وربّما ذكرتم، قبل أسابيع، قيامَ تظاهرة نِسْويّة في أريحا جَمعتْ بين نِسويّات فلسطينيّات وإسرائيليّات، وكأنّ المشكلة التي نعانيها ليست الاحتلالَ والعنصريّة والدمويّةَ الإسرائيلية، بل هي محصورةٌ في الذكوريّة أو الأبويّة (الفلسطينيّة والإسرائيلية) وحدها! والحقّ أنّ هذه البوّابة سيَصعب إغلاقُها إلّا بالمزيد من الحريّات الداخليّة الحقيقيّة داخل مجتمعاتنا، وطبعًا بعيدًا عن الإملاءات الأميركيّة والمفهوم الاستعماري لـ"الإصلاح" و"الديمقراطيّة." وهذا موضوع طويل لا مجال للخوض فيه هنا.
***
إيها الكرام،
"
إنّ اقوى سلاحٍ في يد القامعين هو عقولُ المقموعين." هذا ما كان يكرّرُه المناضلُ الجنوبأفريقيّ ستيف بيكو. هذا القول قد يصلح خاتمةً لكلمتي. ذلك لأنّ هزيمتنا الحقيقيّة والفعليّة هي حين نسلّم لعدوّنا بحقّه في الوجود والهيمنة بسبب ضعفنا الحاليّ. ومن ثمّ، فإنّ ثقافة التصدّي، ثقافةَ المقاطعة ومناهضةِ التطبيع، متى تمأسستْ وتجذّرتْ وتغلغلتْ في مناحي حياتنا كافّةً، ستكون من الأسلحة الأمضى والأبقى في معركة تعزيز قوة المجتمع اللبنانيّ (والعربيّ)، كما في معركة تحرير فلسطين.
بيروت

تواصل مع الحملة

للتواصل معنا

عنوان: بيروت - لبنان

عبر الهاتف: T: +961 1 858355 | M: +961 3 434643

عبر الايميل: info@boycottcampaign.com

 

fb twitter insta