المقاطعة الأكاديمية: بصيص أمل

0

 إيلان پاپِهْ* (ترجمة سماح إدريس)

 هذه السنة سنةٌ تذكارية: إنّها الذكرى الستّون للنكبة، والحادية والأربعون للاحتلال [الإسرائيلي عامَ 1967]. وليس من حلٍّ منظورٍ لا لضحايا التطهير الإسرائيلي العرقي لفلسطين عامَ 1948، ولا للخاضعين لاحتلالٍ قاسٍ في الضفة الغربية وقطاع غزّة. لقد ركّز النضالُ من أجل فلسطين على هذين الحدثيْن: نكبة فلسطين عامَ 1948، والاحتلال الإسرائيلي عامَ 1967.

وكان النضال أوّلَ الأمر كفاحًا مسلَّحًا، لم يَنْجحْ إلى الآن في تحرير الأرض أو في السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم. ومنذ السبعينيات والكفاحُ المسلّحُ يمضي بالتوازي مع الجهد الديبلوماسي، غير أنّ هذا المسارَ الأخيرَ لم يُثْبت جدواه هو الآخر، بل الحقّ أنّه فاقَمَ الأوضاعَ سوءًا: ذلك أنّ “اتفاقات السلام” المختلفة قَدَّمتْ إعادةَ تأكيدٍ دوليةً للسياسات الإسرائيلية القائمةِ على القمع والاحتلال، وكانت في معظم فصولها محاولةً أميركيةً للضغط على القيادة الفلسطينية من أجل الاستسلام أمام “خطط السلام الإسرائيلية” المتتالية الساعية إلى إدامة الاحتلال وتبرئة إسرائيل من أيّ توبيخٍ أو نقدٍ دولييْن. ولقد تجلّت سِينِيكيةُ [كلبيةُ] المسار السلميّ الفاقعةُ حين سارعت اللجنةُ الرباعيةُ، التي كانت تؤدّي “العَرْضَ” الديبلوماسي وتَرْفض دائمًا ممارسةَ الضغوط على إسرائيل، إلى مقاطعة مؤسّسات الشعب الفلسطيني المنتخبة ديموقراطيّاً عامَ 2006، ومنذ اليوم الأول لهذا الانتخاب. منذ الانتفاضة الثانية عامَ 2000 والوضعُ على الأرض يزداد سوءًا في كلّ مجالات الحياة. فغزّة السجينةُ تعاني أكثرَ من أيّ قسمٍ آخر، غير أنّ سكانَ المناطق المحتلّة الأخرى التي تَحْكمها إسرائيلُ بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشر تُحْرم هي أيضًا دومًا أبسطَ الحقوق الإنسانية، وتتعرّض تكرارًا لمضايقات الجيش والمستوطنين. وما زال ملايينُ اللاجئين يُحْرمون حقَّ العودة، ويعيش أكثرُ من مليون فلسطيني [في حدود 1948] في ظلّ نظامِ أپارتهايد [فصل عنصريّ] تمييزيّ. وعلى الرغم من شجاعة حركة المقاومة وروْعتها، فإنَّها تَعْجز عن أن تغيِّر الحقائقَ على الأرض بأيّ شكلٍ مهمّ. إنّها، في أحسن الأحوال، تَستوعب إسرائيلَ في قطاع غزّة، وتقدِّم بعضَ مقوِّمات الوجود للسكّان القاطنين في الضفة الغربية؛ غير أنّها لا تستطيع وقفَ المراحل القادمة من خطط إسرائيل الهادفة إلى تدمير الفلسطينيين من خلال تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويلِ قطاع غزّة إلى غيتو. ولقد كان بإمكان حركة المقاومة أن تزداد نجاحًا لو كانت موحّدةً؛ ولكنْ، للإنصاف، يبدو أنّ قيادةً موحّدةً أكثرَ انسجامًا في المناطق المحتلّة عامَ 1967 ستَعْجز هي الأخرى عن منع الإسرائيليين من توسيع احتلالهم وتصعيد قمعهم. وما يبعث على تشجيعٍ أقلّ هو واقعُ معسكر السلام في إسرائيل. فلقد فشل هذا المعسكرُ في كسب عقولِ أفراد المجتمع اليهودي الإسرائيلي وقلوبِهم، وأكثرُ ناشطيه ومنظّماته غيرِ الحكومية في عجزٍ عن مغادرة الإطار الذهني الصهيوني. ومَنْ لم يكونوا عاجزين عن ذلك قلّةٌ قليلةٌ، مع أنّهم يتحدَّوْن دومًا وبلا خوفٍ العقيدةَ الصهيونيةَ وسياساتِ الاحتلال. غير أنّهم في نهاية المطاف عاجزون عن مواجهة التصميم الإسرائيلي على ضمّ أقسامٍ واسعةٍ من الضفة الغربية، وعلى الإبقاء على الأقسام الباقية بانتوستاناتٍ [معازلَ منفصلةً] صغيرةً. لذا يُمْكن الاستنتاجُ أنّ سياسات الاحتلال والقمع الإسرائيلية، التي تحظى بالإجماع الإسرائيلي، قد كسبتْ، وأنّها ستبقى مهيمنةً على الأرجح في الأعوام القادمة. غير أنّ ثمة بصائصَ أملٍ قليلةً قادرةً على اختراق هذه الصورة الكئيبة، وعلى إلهامِ كلِّ مَنْ يلتزمون السلامَ والمساواةَ في فلسطين بألاّ يتخلَّوْا عن النضال، بل وأن يكثّفوه هذه السنةَ، التي تصادف الذكرى الستّين للنكبة. أكثرُ تلك البصائص إشعاعًا هو التبدُّلُ الواضحُ في الرأي العامّ الغربي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة، حيال مسألة فلسطين. إلاّ أنّ أوروبا بشكلٍ خاصّ، والمملكةَ البريطانيةَ بشكلٍ أخصّ، هما المكانان اللذان يبدو أنّ الاستقامةَ والأخلاقَ تملي على الإنسان العاديّ فيهما معاداةَ دولة إسرائيل وسياساتها. صحيحٌ أنّ هذه الدوافع لم تترجَمْ بعدُ إلى سياساتٍ [عملية]، ولكنّ ذلك سيكون ممكنًا إنْ تواصلت الجهودُ وتناسقتْ. هناك سببان يفسِّران لماذا تقدِّم أوروبا عامةً، وبريطانيا خاصةً، كوّةً ما للأمل. السببُ الأول يعود إلى عمل مجموعات التضامن التي تحافظ على القضية الفلسطينية في عقول الجمهور، لا بوصفها مسألةً سياسيةً فحسب بل وقضيةً أخلاقيةً أيضًا تحرِّك الناسَ العاديين وتحرِّك أحيانًا أفرادًا من النخبة السياسية نفسِها. ونستطيع أن نرى في السنوات الأخيرة الأثَرَ التراكميَّ لجهدِ تلك المجموعات داخل الجامعات البريطانية والمراكز الاجتماعية والشوارع الأساسية. أما السبب الثاني الذي يجعل بريطانيا تبدو مؤشِّرةً على مستقبلٍ أكثر بعثًا على الأمل فهو الطبيعةُ الخلاّقةُ للنضال هناك، وهي التي تتمثّل في أحلى صورها في المبادرة الأخيرة إلى مقاطعة إسرائيل في المملكة البريطانية (وفي قسمٍ من أوروبا). ويعود فضلٌ مماثلٌ في ذلك إلى مَنْ أَطْلق في الولايات المتحدة الأميركية حملةَ “سحبِ الاستثمارات” من إسرائيل. فلقد ضَخّتْ مبادرةُ المقاطعة، وفي قَلْبها المقاطعةُ الأكاديمية التي نَسَّقت جهودَها “اللجنةُ البريطانية من أجل جامعات فلسطين”, طاقاتٍ جديدةً في حملة التضامن بأسرها. ويرجَّح أن يعودَ ذلك (وهو الأهمّ) إلى أنّ تلك المبادرة جاءت استجابةً لدعوةٍ أطلقها المجتمعُ المدني الفلسطيني تحت الاحتلال. كما أنّها كَسبت الدعمَ المعنوي الصادر عن ناشطي سلام حقيقيين في إسرائيل. إنّها تحالفٌ أخلاقيٌّ ومعنويٌّ جبّارٌ يَدْفع بحملة التضامن مع فلسطين قُدُمًا، ويَفْتح عامةً آفاقًا واستراتيجياتٍ جديدةً أمام النضال الفلسطيني بمجمله. ومع أنّ المقاطعة هناك لم تبدأ كما كان ينبغي، فإنّها تُخلخل اليومَ من الثقة الإسرائيلية الرسمية، وتقوِّض من آلة الدعاية الموالية للصهيونية في بريطانيا منذ زمن طويل. فلقد كان مجرّدُ انطلاق الحملات الأولى، ومجرّدُ الحديث عن احتمال قيامِ مقاطعةٍ أكاديمية، كافييْن للإشارة إلى الفوائد المباشرة من اعتماد مثل تلك الاستراتيجية [المقاطعة] والأرباح البعيدة المدى التي ستُجنى في المستقبل الأبعد. وثمة لجنةٌ إسرائيليةٌ حكوميةٌ خاصةٌ تراقب المقاطعةَ البريطانيةَ عن كثب، ويتمّ تجنيدُ أفضل أصدقاء إسرائيل من أجل أن يُوصِلوا رسالةً تقول إنّ المقاطعة هي نهايةُ الدولة اليهودية. إنّ حملةَ المقاطعة، وإسرائيلَ المذعورة، وردّةَ الفعل الأميركية ــ الصهيونية والإنكليزية ــ الصهيونية على تلك الحملة، دفَعَت الاحتلالَ الإسرائيلي إلى أن يكون من أبرز القضايا المطروحة للنقاش. ووسائلُ الإعلام الأساسية في الغرب التي توقّفتْ عن إيراد التقارير عن ذلك الاحتلال لفترة طويلة قد عادت لتفعل ذلك بشدّةٍ بسبب النقاش الذي خَلَقتْه المقاطعة. كما أنّ المقاطعة فضَحَتْ هزالَ الدعاية الإسرائيلية: فعدا عن توبيخ كُلِّ مؤيِّدٍ للمقاطعة بالقول إنّه معادٍ للسامية أو يهوديٌّ كارِهٌ لذاته، فإنّه لم يَعُدْ أمام الإسرائيليين ما يضيفونه إلى تصويرهم الشائع لحركة المقاومة الفلسطينية بأنّها منظمةٌ متآخيةٌ مع “القاعدة.” وفي وقتٍ يتصدّر فيه العراقُ وأفغانستانُ العناوينَ العريضةَ في الغرب، فإنّه لمن قبيل الإنجاز الهامّ أن تتمّ إعادةُ تأكيد مركزية القضية الفلسطينية ووحشيةِ السياسات الإسرائيلية المستخدمة في خلخلة الاستقرار في فلسطين والشرقِ الأوسطِ وما يتعدّاهما. وما لا يقلُّ عن ذلك أهميةً هو الطريقةُ التي انجذب فيها المجتمعُ المدنيُّ الفلسطيني الواقعُ تحت الاحتلال خلف حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية. فهي تؤكّد، على المدى الأبعد، بُعْديْن استراتيجييْن للنضال في المستقبل. البعد الأول هو استلهامُ النموذج المعادي للأپارتهايد (الفصل العنصري)، حيث استطاعت حركةٌ وطنيةٌ الاعتمادَ على كفاحٍ غيرِ عنيفٍ في الغرب ليقوِّيها وليُتمِّمَ عملَها داخل بلادها. ومثلُ هذا المزيج من العمليْن يجعل النضالَ أكثرَ استيعابًا [لعناصرَ وشعوبٍ أخرى] ممّا كان في أيِّ وقتٍ مضى، بحيث يمكِّن الفلسطينيين واليهودَ وكلَّ المهتمّين الآخرين بفلسطين مِنْ أن يؤدُّوا أدوارَهم داخل البلاد وخارجها. البعد الثاني هو الاستهدافُ الفعّالُ والمباشرُ لمزاعم “الديموقراطية” في إسرائيل، وهي مزاعمُ قَدّمتْ حتى الآن درعًا تحمي هذه الدولةَ من أيّ نقدٍ أو ضغط. والحال أنّ فضحَ ممثّلي الثقافة والقيم الإسرائيلية على حقيقتهم ـ أيْ فضحَ منظومة القيم الخاصةِ بعقيدةٍ قمعيةٍ وكولونيالية ـ خطوةٌ مهمةٌ من أجل ترجمة الدعم الإجمالي [لفلسطين] في المجتمعات الغربية إلى سياساتٍ حكوميةٍ مغايرةٍ في المستقبل. إنّ المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية مستهدَفةٌ، وبحقٍّ، من الجهد الحالي [لعمل المقاطعة]، وهو جهدٌ يسعى إلى توسيع الضغط بما يتعدّى المقاطعةَ الثقافيةَ وحدها ـ ومن هنا المبادرةُ التي يُطلق عليها أحيانًا حملةُ “م. س. ع، أيْ حملةُ “مقاطعة إسرائيل وسحبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها.” والحق أنّ المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية تستحقّ اللومَ في أمريْن مهمّين جدّاً. الأول بسبب مناهجها المهنية، أيْ بسبب حقولِ الدراسة التي تَسْمح للناس بأن يصبحوا مهنيين، من قبيل محامين أو أطبّاء أو مهندسين معماريين. إذ مِنْ دون هؤلاء المتخرّجين كان سيستحيل الحفاظُ على سيرورة الاحتلال اليومية أو اتخاذُ قراراتٍ استراتيجيةٍ بشأنه. فجدارُ الفصل العنصري مثلاً من بنات أفكار علماء الجغرافيا في جامعة حيفا، وخَطَّطَ له مهندسون معماريون بارزون في المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية، ونفّذه مهندسون من معهد تخنيون. والمحاكمُ العسكرية التي تُشرف على توقيف آلافٍ وآلافٍ من الفلسطينيين من دون محاكمة مزوَّدةٌ بخرِّيجي قانون من الجامعات المختلفة، وخرِّيجو كليّات الطبّ هم في “حالةِ استعدادٍ دائم” لمعالجةِ مَنْ يتعرَّضون للتعذيب على يد الجهاز السرّي الإسرائيلي. فهذا الجهاز نفسُه يطلب من كثير من موظَّفيه أن يحوزوا درجةَ بكالوريوس على الأقلّ من جامعةٍ إسرائيلية. أما الأمر الثاني الذي تتواطأ من خلاله المؤسسةُ الأكاديميةُ الإسرائيليةُ مع الاحتلال فهو عبر العلوم الإنسانية التي تقدِّمها. فهذه المجموعة من المناهج توصَفُ عادةً بأنّها لُبُّ الحركة المعادية للاحتلال، ويُقدَّم وجودُها على أنّه الحجّةُ الفُضلى لعدم مقاطعة المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية. ولكنْ إذا كان صحيحًا بالفعل أنّ هناك أعدادًا قليلةً من الأكاديميين في هذه المناهج اتّخذوا مواقفَ شجاعةً ضدّ الاحتلال، فإنّهم لا يَعْدون أن يكونوا نقطةً في بحر الإجماعِ [المؤيِّدِ للاحتلال]؛ ذلك أنّ الغالبيةَ الواسعةَ من أعضاء المجتمع الأكاديمي يصادق على الاحتلال: ـ مباشرةً، من خلال بناء السرديّة التاريخية والسياسية التي تبرِّر ذلك الاحتلالَ: من الاستشراقيين الذين يَشْرحون أنّ الاحتلال هو أفضلُ طريقةٍ لإدارة “العرب،” إلى المؤرِّخين الذي يستأصلون الفلسطينيين من وجود فلسطين، إلى علماء السياسة الذين يقدِّمون السِّقالاتِ البحثية [لتدعيم] نظامِ الأپارتهايد داخل الدولة اليهودية. ـ وبشكلٍ غير مباشر. ففي مواجهة مثل تلك السياسات القمعية، لا يَمْلك أعضاءُ المؤسّسة الأكاديمية في مجتمعٍ يَزْعم ويتبجّح بأنّه “الديموقراطيةُ الأوحدُ في الشرق الأوسط” أن يتمتّعوا بامتيازِ البقاء سلبيين. فإذا كانت مكانتُهم في العالم وفي مجتمعهم بالذات مستندةً إلى الافتراض الخاطئ بأنّ إسرائيل هي الديموقراطيةُ الأوحدُ في الشرق الأوسط، في حين أنّها تحافِظُ في واقع الأمر على نظامِ فصلٍ عنصري (أپارتهايد)، فإنّ من الواجب فَضْحَ خدعتهم تلك. وما لم يكن الأكاديميون الإسرائيليون معارضين شجعانًا لحكومتهم، أُسوةً بأولئك الأكاديميين من كلّ أرجاء العالم الذين يتحدَّوْن فظاعاتِ حكوماتهم، فإنّهم جزءٌ لا يتجزّأ من فظاعة حكومتهم. إنّ هذه [التي ندعو إليها] ليست مقاطعةً حبّاً بالمقاطعة. وإنّما هي محاولةٌ لحشدِ العالم من أجل إنهاء قرنٍ من الحرمان والكولونيالية لصالح بناءِ وقائعَ ما بعد كولونيالية يتشارك فيها المواطنون في دولةٍ ديموقراطية، ويُنزع عن الفلسطينيين التمييزُ والانتهاكُ لحقوقهم ـ وهما لبُّ الصراع وسببُ فشل السلام. فلنأملْ أن يتكثّفَ هذا الجهدُ عامَ 2008، وأن يتوسّع إلى ما وراء المملكة المتحدة، إلى أوروبا والولايات المتحدة، وأن يُعطيَ شعبَ فلسطين المقموعَ أملاً جديدًا.

اكسِتِر، المملكة المتحدة

 * رئيس دائرة التاريخ في جامعة إكستر في المملكة المتحدة, و مؤلّف كتب عديدة منها: التطهير العرقي لفلسطين.

مجلة الآداب في 4-6-2008

آخر الأخبار